George N. El-Hage, Ph.D.
 
Arabic and Comparative Literature


 
Publications

 

الزَّجَل اللبنانيّ
وزغلول الدامور في بيت مِري

          


تمهيد
:

يوم غنّى شاعرُ لبنان الزَّجَليُّ الأوّل، زغلول الدامور، في نيويورك في 10 نيسان 1998، وما استطعتُ حضورَ الحفلة الكبيرة لظروفٍ طارئة— يومَها أرسلتُ رسالةً قصيرة مع صديقي جيم يَمّين وسألتُه تسليمَها للزغلول. فيها عرّفتُه بنفسي وطلبتُ  أن يُرسلَ إليّ، بعد عودته إلى لبنان، نسخةً من كتابه الجديد "خمسون سنة مع الشعر الزَجَليّ" الذي سمعتُ أنّه أَصدرَه مُؤخَّرًا في بيروت. وما كان أَكبرَ دهشتي عندما عاد صديقي حاملاً نسخةً من الكتاب مع إهداءٍ بخطّ الزغلول نفسه. إهداءٌ عاديّ فيه يقول الشاعر: "يُشرِّفُني أن أُقدّمَ لك كتابي هذا، الديوان الأوّل بعد [خمسين] سنة من النضال في سبيل هذا الفنّ اللبنانيّ الأصيل الذي نذرتُ نفسي لخدمته. أرجو بعد أن تكتبَ لي عن أشعاري وزَجَلي بأن تُرسلَ لي ما سوف تكتبُه على هذا العنوان: زغلول الدامور-البوشريّة -الدورة -لبنان". ووقَّعه بإمضائه الخاصّ، ووضعَ التاريخ.

بعد قراءة هذه المقدِّمة القصيرة، استوقفَتني أمورٌ ثلاثة:

1- هذا إنسان رهَنَ حياتَه ووقتَه وجهدَه، وكرّسَ عمرَه—"خمسون سنة من النضال في سبيل هذا الفنّ اللبنانيّ الأصيل"—ولا يزال يجوب الأقطار، قريةً ومدينةً وبلدًا، يقطع البحار ويُغنّي الحُبَّ والوَطن للمُقيمين والمغتربين على السواء.

2-  كنتُ قد ذكرتُ في رسالتي للزغلول أنّي أَودُّ الكتابة عن الزجَل عامّةً وعنه وعن حفلة بيت مِري عام 1971 خاصّةً. فإذا بكلمته تُشجِّعُني على ذلك، لأنّنا فعليًّا بحاجة ماسّة إلى دراساتٍ ونَقْدٍ وكتاباتٍ ليس لتأريخ الزجَل فقط، بل لتحليل قصائده الرائعة التي تُعتَبَرُ من عيون الشعر العربيّ اللبنانيّ العامِّيّ، والتي لا تقلُّ مكانةً وجودةً وسَبْكًا وحَبْكًا عن أيّة قصيدة نُظِمَت باللغة الفُصحى، هذا إذا لم تَفُقْها رقّةً وإمعانًا في الدخول إلى قلوب السامعين. كيف لا وهي وليدةُ الارتجال والعَفويّة وبِنْتُ ساعتها! فالقصيدة أو الردّة الزجَليّة لا تخلُدُ إذا ما رواها راوٍ عن لسان صاحبها. حلاوتُها وخلودُها مرهونان بشخصيّةِ شاعرها وصوتِه وجودةِ إلقائه وحُسنِ أدائه وقُدرتِه على استلهام المناسبة وخَطْف اللحظة وتجميد الصورة في إطارٍ من العفويّة والبلاغة في آن.

ويسألُني الزغلول أن أُرسِلَ له بالذي سوف أكتبُه، وهو مُدرِكٌ تمامًا وواعٍ لتلك الحاجة المُلِحّة والفراغ الرهيب الذي فرضَته ظروفٌ سياسيّة وجِدالاتٌ فلسفيّة ولُغَويّة وأُخرى دينيّة وغير دينيّة. ذلك الحصار غير المقبول بعد الآن الذي ضربَه الغُلاةُ لغةً ودِينًا حول قصائد اللغة العاميّة، فمنعوها من الوصول إلى مَصافِّ شعر اللغة الفُصحى التي هي—ونحن نعتزُّ بذلك ونزهو—لغةُ القرآن الكريم الذي نزلَ بلُغة الضاد.  لكنَّ هؤلاء نَسوا أو تناسَوا أنّ الكتابَ العزيز إنّما أُوحيَ إلى رسول اللّه (صلعم) بلهجة قُرَيش قبل أن تُصبحَ لغةَ النبوّة والوَحي. وأنا لستُ من الداعين إلى إحلال العامِّـيَّة محلَّ الفُصحى أو إلى استبدال الأُولى بالثانية، لكنّني على يقين من أنّ الشعرَ الشعبيّ الذي هو تراثُنا وديوانُنا وسِجلُّ ذاكرتنا الجَماعيّة ووسيلتُنا المفضَّلة عَفويًّا للتفاهُم والتخاطُب اليوميّ_ هذا الشعر العفَويّ الارتجاليّ، الذي هو حقيقةٌ كما الأرز والأهرام والبَيداء، جديرٌ بأن يُدرَس بعُمق ويُدرَّس في المدارس. وجديرٌ بالذِّكر أنّ كثيرين من أعلام الفُصحى غَنَّوا بالعاميّة وتغنَّوا بها. نذكرُ على سبيل المثال لا الحَصر: المطران جبرائيل القلاعيّ (1440-1516)، الشيخ إبراهيم الحورانيّ (1844-1916)، رشيد نخله  (1873-1939)، جبران خليل جبران (1883-1931)، عبد الله غانم (وُلِد 1897)، إميل لحّود (وُلِد 1899)، بولس سلامة (1902-1979)، سعيد عقل (وُلِد 1912)، أنيس الفغاليّ (وُلِد 1921)، الدكتور خليل حاوي (توفّي 1982)، يونس الابن (وُلِد 1926)،  عاصي الرحباني (1923-1986)، منصور الرحباني (وُلِد 1925)، جوزف أبو ضاهر (وُلِد 1947)، الدكتور جورج زَكي الحاجّ (وُلِد 1949).

وإذا كنتَ في شكّ مِمّا أقولُه، فما عليك إلاّ أن تسمعَ أو تقرأَ لشحرور الوادي (1894-1937)، وخليل روكز (1922-1962)، وإدوار حرب  (1939-1989)، وأسعد سعيد (1922-)، وزَين شعَيب (1924 -)، وزغلول الدامور (1925-)، وموسى زغيب (1937-)، وطليع حمدان (1944-)، وجريس البستاني والعشرات غيرهم من رُوّاد هذا الفنّ المُبدِع. وأنت إن فعلتَ، فلن ترى فروقًا كبيرة بين أبياتهم وتلك التي خطّتها يراعُ المثلّث الأُمويّ وبشّار وأبي تمّام  والمتنبّي والمعرّي وآخرين من فطاحل شُعرائنا بالفُصحى. ولن يَضيرَها في شيء إن قارنتَها بشعر المُحْدَثين والمُعاصرين من السَّيّاب والبيَّاتي والفَيتوريّ والحَيدري والصَبور وحاوي وأَدونيس وسعيد عقل ونزار قبّاني وغيرهم.

3-  بعد هجرةٍ ليست بالقصيرة عن أرض الوطن إلى حيثُ الأرقام والآلات الحاسبة جزءٌ مهمّ من الحياة، ابتسمتُ طويلاً عند عنوان الزغلول: "زغلول الدامور -البوشريّة - الدَّورة..." لا أرقام، ولا تعقيدات في العنوان. فالزغلول مثل أيّ شخص آخر في لبنان (تقريبًا) معروف في محيطه ومنطقته باسمه وشهرته لا برقم بيته المصمود على علبة البريد؛ فالبيت يُعرَف بأصحابه لا بأرقامه.

الزجَل: نشأتُه وتطوُّرُه

معروفٌ أنّ الشعرَ ابنُ بيئته، يستمدُّ طراوتَه وخشونتَه، صُوَرَه ورموزَه، من مُحيطه ومن قُدرة الشاعر على التعامُل مع هذه البيئة ومدى ارتباطه بها أو انطوائه عنها. الشعرُ البليغ الجيِّد يبقى شعرًا أكان قد قيل بالفُصحى أم بالعامِّـيَّة. فالشاعر المُبدِع يستقطب انتباهَك ويبهرُك بنفحة العبقريّة التي تفوح من أبياته إنْ هو قالها بلغة المتنبّي أو بلهجة زغلول الدامور. هذا إضافةً إلى أنّ الزجَل يمتاز عن شقيقه الشعر الفصيح أو هو يُجاريه في ذلك بأنّه ما كُتِبَ ليُقرأَ فحسْب، بل أوّلاً وأخيرًا ليُلقى، ويُنشَد ويُغنّى من على المنابر وفي الساحات العامّة؛ فهو دائمًا بحاجة إلى جمهور. هكذا الشعر العربيّ عامّةً خطابيّ مِنبريّ. فليبقَ إذًا سوقُ عُكاظ مفتوحًا دائمًا. هذا الشعر العفويّ وُجِد يوم تكوّنَت اللغةُ المَحكيّة؛ لذلك يُرجعُه بعضُ الدارسين إلى الجاهليّة الأُولى يومَ كان الحِداءُ شائعًا على ظهور الإبل. ويرى بعضُهم الآخر أنّ عنترة والمُهَلهِل نفسَهما نظَما زجَلاً (1). والمعروف ثابتًا أنّ العربَ "في الأندلس عرفوا هذا النوع من الشعر، فنظموه وكتبوا فيه الدواوين؛ وأشهرُ زجَّاليهم ابن قزمان"(2). وراح هذا الزجَل يمدُّ جذورَه في مختلف البلدان العربيّة حتّى أصبح لكلّ قُطْرٍ زجّالوه وزجَلُه المميَّز عن غيره. فظهر الزجَلُ المصريّ، والتونسيّ، والخليجيّ (المعروف بالنبَطيّ)، كما يُعرَف في لبنان بالشعر اللبنانيّ.(3) وفي حين أنّ هذا اللونَ الشعبيّ في مختلف الأقطار العربيّة بقيَ مكتوبًا، يُغنّيه مُطربون ليسوا هم شعراءَه أَصلاً، اتّخذَ الزجَلُ في لبنان خاصّةً مَنْحًى فذًّا وأصبح فنًّا راقيًا له أربابُه و"ملوكُه" كما سنرى. فالطبيعة في لبنان سمحاء كريمة لا تقلُّ جمالاً وطراوةً وعذوبةً عن طبيعة الأندلُس؛ فأبدع الشعراءُ في مجال الزَّجَل، وتبارَوا في صياغته، وكانوا هم أنفسُهم يُؤَلّفونه ويُغنّونه في مُناسبات الفرح والحُزن، في السهرات والحفلات والمآتم، وصَولات الفخر والهجاء وحفلات التحدّي، حتّى تكاد لا تخلو مناسبةٌ من وجود شاعر زجَليّ يُؤنِسُ الحاضرين ويُخلِّد تلك المناسبة.

والذي امتاز به اللبنانيّون عن سواهم في هذا المضمار أيضًا هو أنّهم كَوّنوا فِرَقًا خاصّة للزجَل تجمع بين أعضائها أربعة زجّالين؛ ويكون رئيسُ الجوقة أقدمَهم وأكثرَهم شُهرةً وخبرةً في القَول والارتجال. وهكذا خرجوا بهذا الشعر من حَيِّز الخصوصيّة، أي خصوصيّة المناسبات الفرديّة، إنْ على مستوى الشاعر أو الغرَض، إلى حيّز العموميّة التي تتّخذُ من المنبر ساحًا لها في كلّ مدينة وقرية ودسكرة، وتفتح المجال واسعًا للصَّول والجَول، لا بين شُعراء الجَوقة الواحدة فحَسْب، بل-كما سنرى- بينهم وبين فُرسانٍ شُعراء من جَوقةٍ أُخرى، مِمّا يزيد الحماس والإثارة. فكما إنّه لكلّ جَوقة مُحبّوها ومُحبّذوها ورُواتُها، كذلك لكلّ شاعر بمفرده مُحبّوه وتابعوه ورُواتُه ونُقّادُه. فالشاعر العربيّ منذ الجاهليّة حتّى العصر العبّاسيّ، مثلاً، كان له راوٍ يتبعه ويحفظ شعرَه ويرويه. أمّا الشاعرُ الزجَليّ (أو الزجّال) فيكون له عدَدٌ كبير من الرُّواة والأتباع المخلصون له والمُروِّجون لشعره وشخصيّته وحفلاته؛ هؤلاء يتواجدون في كلّ قرية ومدينة. هم جمهورُ هذا الشاعر الدائم الحضور، وشعبيّتُه السيّارة التي تتوافد إلى كلّ حفلة أو سهرة يُحييها أو يُقيمُها، خاصّةً إذا كانت حفلةَ تَحَدٍّ بينه وبين زجّال آخر. وإذا فكَّرَ واحدُنا بأن يستخفَّ أو يهزأَ بهذا اللون من الشعر الذي له أصولُه وبحورُه وألوانُه كما للشعر العموديّ والعروض الخليليّ_ أقول إذا خطرَ ببالِ أحد أن لا يحملَ هذا الشعر على محمل الجِدّ، فليضَعْ نفسَه موضعَ أيِّ شاعر من كبار قُوّاد الزجَل أو حتّى صغاره في مناسبة أو حفلة حيث الجمهورُ مُحتشدٌ بالمئات وغالبًا بالآلاف، ومُكبِّراتُ الصوت تُضخِّم أيّةَ تنهيدة تصدرُ من الشاعر وهو يتهيّأُ للخَوض في موضوعٍ مُعيَّن مع زجّالٍ آخر له أيضًا مُحبّوه وأتباعُه ورُواتُه. وهؤلاء الناس (أي الجمهور) لا يقبلون القليل، ولا يرضَون بالهزيمة، ولا يتحمَّلون التردُّد والتعثُّر في الكلام أو الخروج عن الموضوع. فالشاعر له ولاؤهم الكامل ما دام قادرًا على إشباع غرورهم وطموحهم، وإرضائهم بشعرٍ عفَويّ صائب وبديهةٍ سريعة وعاطفةٍ جيّاشة وصُوَرٍ وخيالاتٍ فريدة. ومِمّا يجعل المهمّة أصعب على الشاعر هو أنّه، في بعض المناسبات، لا يستطيع اختيارَ الموضوع، خاصّةً في حفلات التحدّي الكبيرة. الجمهور يختار الموضوع قبل بَدء الحفلة بقليل. وما دامت حفلةَ شعرٍ ارتجاليّ، ابنِ ساعته ووليدِ مناسبته، فالفَلاح للشاعر المُلهَم الموهوب، السريعِ البديهة والقادرِ على الارتجال؛ أمّا الذي هو بحاجة إلى الكتابة والتحليل والتفكير الطويل، فلا عملَ له مع هؤلاء الشعراء، ولا مكانَ له على المنبر.

وكما للعرب جاهليّتان، في ثانيتهما نَضجَ الشعرُ الجاهليُّ بدايةً مع إمرئ القَيس، فكذلك مرَّ الشعرُ العامِّيُّ الارتجاليّ بجاهليّتَين قبل وصوله إلينا بحالته الحاضرة الراقية. وهذا الشعرُ، وإن كان وليدَ اللغة المَحكيّة وثمرتَها الطبيعيّة، فقد وُلِدَ مُتأثّرًا بعنصرَين أساسيَّين أكسباه صفتَه الخاصّة التي يمتاز بها.

أوّلاً: كان تأثيُر الألحان السريانيّة والترانيم والميامير والمداريش. فمار أفرام السريانيّ مثلاً الذي يعتبُره كثيرون طليعةَ شُعراء الزجَل (بل نظّاميه) في الجاهليّة الأُولى(4)، نظَمَ الصلاةَ زَجَلاً باللغة السريانيّة. وأخذ هذا اللونُ ينتشر في سوريا والأُردُنّ وفلسطين؛ وكان أوّل دخوله إلى لبنان باللغة السريانيّة. وبسبب هذا التأثُر السريانيّ الكبير مالَ الدكتور إميل يعقوب إلى الظَنّ "بأنّ أكثر شُعراء الزجَل اليوم هم من الموارنة"(5).وليس هذا من باب الحَصْر طبعًا. ويُجمِعُ النقّاد على أنّ المطران جبرائيل القِلاعيّ اللِحْفِديّ هو أوّل مَن وصلَت إلينا أشعارُه مخطوطة؛ ولذلك اعتبره مارون عبّود "القَوّال الأوّل".(6)

ثانيًا: يجب ذِكرُ بعض الأُصول والمنابع العربيّة، وإن كانت غيرَ مُثبَتةٍ في كُتُب النُقّاد والباحثين لضَعف تأثيرها بنشوء الزجّل ولعدم وجود المراجع الكافية.(7)

لقد تميّز اللبنانيُّ بثروته الفطريّة التي صيغَت أغانيَ وأناشيدَ وقصائدَ على لسان شُعراء الزجَل والارتجال في لبنان. ولقد صدَق عبد الله الأخطل حين ميّز بين الفِطرة والعِلم فقال: "الفرقُ بين العلم والفِطرة لهو في نظري كالفرق بين النبعِ الفوّار وبئر الشتاء... الأوّلُ يُعطي من نفسه، فيتجدّدُ أبدًا، ويتشعّبُ أبدًا، ويتنوّعُ أبدًا... أمّا آبارُ الشتاء... على غزارتها وعُمقها، فيها شُحّ الأراضي المُجدِبـة"(8). فالعلمُ والنظمُ ورصفُ الكلمات وصياغةُ المعاني والتفنّنُ في البديع والبيان واصطيادُ الأفكار العابرة والسهَرُ الطويل مع القلم والورقة ليست بالضرورة من مُستلزمات العبقريّة والقريحة الفيّاضة والإبداع المحلِّق. ألم يقُل المتنبّي مُحاولاً إبعادَ شبح النظم والسهَر الطويل عن أبياته الفريدة؟

أنامُ مِلءَ جفوني عن شواردِها

ويسهرُ الخَلقُ جرَّاها ويختصمُ

وما دمنا في الحديث عن المتنبّي المُعترَف له بأبلغ ما قيل في الشعر العربيّ حكمةً وفخرًا ومديحًا إلى جانب الصياغة المتينة والإبداع الفريد، فقصائدُ أبي الطيّب_وإن لم تكن كحَوليّات زُهَير وليدةَ سَنواتٍ من التصميم والتركيز، أو منحوتةً من صخر كقصائد الفَرَزدَق مثلاً_ فإنّها لم تكُن بدون تكلُّف وتعبٍ فكريّ؛ بمعنىً آخر لم تكُن كلامًا عفَويًّا تلقائيًّا آنيًّا وليدَ لحظته. فلنستعِدْ بالذاكرة الحادثةَ الشهيرة، يومَ كان أبو الطيّب بين يَدَي سيف الدولة يُلقي رائعتَه الميميّة المشهورة التي مطلعُها "واحرّ قلباه"، وكان، كعادته، يمزجُ المَديح بالفخر والاعتزاز بالنّفس (حتّى قيل: نادرًا ما مدح المتنبّي غيرَ نفسه)؛ فما كان من مُستشار سيف الدولة، ابن خالَوَيه، إلاّ أن رَماه بدَواة، فشَجَّ رأسَه. ولمّا لم يهُبَّ سَيفُ الدولة للذَود عن كرامة الشاعر الذبيحة وشرَفِه المُهان، ارتجل  الشاعرُ البيتَ التالي الذي لم يكن، أصلاً، جزءًا من القصيدة المُلقاة، وفيه يقول:

إنْ كان سرَّكُمُ ما قال حاسدُنا

فما لجُرحٍ، إذا أرضاكُمُ، ألَمُ

والتركيز هنا على كلمة "ارتجل"؛ وهذا من نوادر الأمور في الشعر الفصيح، أَي أن يَبتدهَ الشاعرُ بيتًا بِكرًا وليدَ لحظته. على عكس ذلك الشاعرُ الزجَليّ، فنمطُه التأليفيُّ، بصورة عامَّة، هو الابتداه. إضافةً إلى ذلك عليه أن يُعيدَ رَدّتَه إذا ما طالبَه الجمهور بذلك، وأن يُضيفَ إلى مطلعها بيتَين على الأقلّ. فمن حقّ الجمهور أن يُطالبَ قائلاً: "عيدْها وزيدْها". وما على الشاعر المُعتلي المنبر إلاّ أن يُضيفَ مطلعًا جديدًا من بيتَين على الأقلّ مُجاريًا  نفسَ الوزن والقافية وروحيّةَ المعنى المنشود انسجامًا مع بقيّة الردّة السابقة قلبًا وقالبًا. والشاعرُ الزجَليّ يعتزُّ ويفتخر بتضمينه أبياتًا ومعانيَ مُنتقاة من الشعر الفصيح الجاهليّ أو الأُمَويّ أو العبّاسيّ، مثلاً، واستخدام أسماء شُعراء الكلاسيكيّة الكبار في ردّات الزجَل، والاستشهاد ببعضٍ من أقوالهم ومواقفِهم، وخَلْق صفةِ قرابة بين الزجّال وأحد أولئك الأعلام. فكثيرًا ما نرى أسماءَ شُعراء المعلّقات والأخطل وجرير والفَرَزدَق والبُحتريّ وأبي تمّام والمتنبّي والمعرّي، فضلاً عن جبران، تُستعمَل رموزًا ودَعْمًا لمَوقفٍ أو لحُجّة عند الزجّال. ذلك إضافةً إلى لمحاتٍ من التُراث العربيّ والعالَميّ. فهذا موسى زغَيب يقول للزغلول في بيت مِري، بعد أن اتّهم الزغلول موسى بأنّه فقدَ صوابَه ونصَبَ سياجًا ليصونَ ما تبقّى من عقله أمام جحافل أفكار الزغلول، لشدّة خَوفه من هجومٍ فُجائيّ عليه:

وما بسيِّجْ على عقل شاعر جوهريّ

فيه المعرّي وإبن بُرْد والبُحتري

وسارتر ونيتشه وشكسبير العبقري

ونمل المعنّى مونتو عن بَيدري

فيقول الزغلول_وقد “تَعِبَ” كما تعبَ الناسُ من تهرُّب زغَيب الذي شبّه نفسَه بـ"المَلِك"، كما لبِسَ عباءة الحُسَين، وقارنَ نفسَه بعيسى، واستعان باسم موسى النبيّ واسم الرسول العربيّ علَّه يتخلّص من موقفٍ حَرِج وَضَعَه فيه الزغلول نافيًا وجهَ الشَبَه بين موسى زغَيب وموسى النبيّ، وبين عَصا زغَيب وعَصا النبيّ:

جيب العصايي العند موسى صاحبَك

تا اليوم كَسِّرْها عَراسَك يا صَبي

ويُضيف الزغلول وقد حوّل عصا زغَيب إلى عصا العبيد التي أشار المتنبّي إليها:

الملك كافور متلَك كان أسوَدْ

عَبْد، شِفّه وَطا وشِفّه غطاها

وعندْما هاجَمو بالشعر أحمَد

أبو الطيّب لوى الكرسي ولِواها

وعصاتو الجِلْدَك عليها معوَّدْ

 قبْل ما يشتري الزنجي اشتراها

وأنا رجعت دفعت ليرات أزْوَدْ

تا أحضى بها العصا وجرَّك وراها

حاجْ تتهرّب وتزعَلْ وتحردْ

كفاها خلْط هالعالَم كفاها

وإذا استنجدت بعيسى ومحمّدْ

ما راح سيبَك ولا برْمي العصايي

قبْل ما تدوِّر "حراجِل" عزاها.

 ويحسنُ الإيضاح أَنَّ بلدة حراجِل هي مسقط رأس موسى زغَيب .

ولعلّ أَفضلَ ما استخدمه الزغلول من رموز دِفاعًا عن مَوقفٍ معيّن نجدُه في لقاء "النسور والصقور" الذي جمعَه مع الشاعر موسى زغَيب في حفلة التحدّي الكُبرى في بيت مِري، عام 1971، التي تُشكّل غايةَ هذه الدراسة، كما سنرى في الجزء الثاني منها.

زغلول الدامور: مقامُه وريادتُه في تطوير الزَّجَل

نعود إلى الزغلول الذي يكاد اسمُه يكون مُرادِفًا لكلمة زَجَل. فواحدُهما لا يُعرَف بدون الآخر. الزغلول الذي ملاْ لبنان وشغل اللبنانيِّين بل العرَب، وأطرب الجماهير وأسكرَها بكلماته الرقيقة العذبة، ومعانيه البليغة، وبديهته الحاضرة أبدًا وأُسلوبه السهل الممتنِع_ ينطبق عليه تعريفُ جبران للشاعر. وحين يُنشد الزغلول يُصيب، ولا يخرج عن الموضوع، سواء كانت أبياتًه في مجال المديح أو الذمّ أو الفَخر أو الرثاء. فهو لخبرته العميقة وباعِه الطويلة في الارتجال، في شتّى الموضوعات والمناسبات، تراه قد عجنَ اللغة وخَبَزَها، فطاوعَته القوافي، ورقصَت له الأوزان، وحضَرَتْه المفردات تقفُ رَهْنَ إشارته، يُقَولبُها كيفما أراد، ويسكبُها كحبّات العقد الفريد واحدةً قرب أُختها؛ فإذا بقصيدته أو ردّتِه كالدُرّ النَّضيد، أو كباقة الياسمين المشكولة أزرارها واللؤلؤ الوهّاج. هذا كلُّه إضافةً إلى أداءٍ يأخذُ بالقلوب، وصوتٍ ولا أجمل، يُعطي كلَّ مناسبة موسيقاها الفريدة ونغَمها المطلوب، إضافةً إلى تجويدٍ ومُحاكاةٍ لصوت الناي أو الكمان. وحدَه الزغلول قادرٌ على مَوسَقَةِ النغَم. يخرجُ اللحنُ من بين شفتَيه فتكاد، وأنت تستمع له، تظُنُّ أنّك في حضرة جوقة  تجمعُ الكلمةَ والنغَم. فالزغلول هو الشاعر، وهو المغنّي، وهو المُلحِّن في آن. وبعد أن تبهرَك كلماتُه وتسحرَك أبياتُه، ترتاح لصوته وأدائه الرائعَين؛ فصوتُه نابعٌ من حنجرة لا تتعبُ ولا تتجرّح، ولا تعرفها البحّة، ولا يدركُها طولُ المجال في الغناء. فقلّما تجدُ شخصًا لم يسمعْ صوتَ الزغلول أو لم يسمعْ به في لبنان المقيم ولبنان المغترب والعالَم العربيّ. هو من الركائز العريقة التي يرتاح عليها تراثُنا الشعبيّ. كلُّ مناسبة يُدعى إليها يُخلِّدُها. إنّه (الشيخ) الجليل (والكاهن) المحترَم الذي ناضل من أجل هذا الفنّ اللبنانيّ الأصيل والذي نذرَ نفسَه لخدمته، فكرّس حياتَه وشبابَه للنهوض بفنّ الزجَل إلى ما وصل إليه الآن. إنّه الشاعر الذي تكاملَت فيه عناصرُ الإبداع التي تسمو به إلى شرفات الخلود. فقد جاد عليه الخالقُ تعالى بالبلاغة واللباقة وسرعة البديهة وحضور الذاكرة والصوت المخمليّ. وقد أدركَ الزغلول كلَّ هذه العطايا—وكان بطبعه الخَلوق مُقدِّرًا لهذه المواهب الفريدة—فأصبح شاعرَ كلّ لبنان، وراح يتكلّم بصوت كلّ لبنانيّ بلا استثناء: في الأعراس، في المآتم، في الحرب وفي السِلم، وفي كلّ المناسبات الخاصّة الشعبيّة والرسميّة. وهو أميرُ المنابر بلا مُنازع في حفلات التحدّي التي خاضها قُبالة كثيرين من فرسان المنبر؛ فصارت أبياتُه محفورةً في ذاكرتنا، وبقي صوتُه  يصدحُ في آذاننا في كلّ حين.

وهنا يحضرُني قولُ الشاعر الكبير نزار قبّاني في تقديم كتاب "الناي والريح" لشاعر لبنانيّ كبير أيضًا هو الدكتور خليل حاوي. يقول قبّاني عن حاوي "شاعرٌ جذّابُ الشخصيّة، لا يستعير أصابع الغَير ولا يشرب من محابرهم."

وهكذا الزغلول أشعارُه وليدةُ عبقريّته الفذّة؛ فهو طائرٌ فَرْدٌ بين طيور الغناء، وشاعرٌ نسيجُ وَحدِه بين أُمراء الارتجال، لا يقلِّدُ الشعراءَ الآخرين، ولا يمدُّ يَدَه إلى موائدهم. "هو البحر" كما قال المتنبّي، وغيرُه هُمُ الأنهار والسواقي والآبار الشحيحة أو الموسميّة.

وُلِدَ الزُغلول (جوزيف الهاشم) في البوشريّة، قضاء المتن، عام 1925. درس في الجدَيدة، ونال الشهادة المتوسّطة عام 1936. بدأ يرتجلُ الشعر وهو ما يزال تلميذًا في التاسعة من عمره. وكان يصرف وقتَه في المدرسة ينظمُ الشعر بدلَ أن يلعبَ مع الأولاد معظم الأحيان. وهكذا لَفَتَ إليه نظرَ أساتذته وزملائه الذين قالوا: هذا الولد، ابن الداموريّ (مزغلَل)، وهو يكتب الشعر. وانطلاقًا من كلمة داموريّ ومزغلَل غلب اللقب على الاسم، فصار جوزيف الهاشم الذي هو أصلاً من الدامور يُعرَف بزغلول الدامور وهو في التاسعة من سِنيه. تزوّج في سنٍّ باكرة؛ وهو زوجٌ صالح وأبٌ حنون، وجَدٌّ مُحِبّ. وزغلول الدامور "شاعر غير عاديّ، عايشَ المنبرَ الزجَليّ 50 سنة ولا يزال؛ مُحدِّثٌ لَبِقٌ، وشخصيّتُه مُميَّزة بين شعراء الزجَل اللبنانيّ. يُعتبَرُ مع الملك الشاعر موسى زغَيب قُطبا المسرح الزجَليّ على الإطلاق."(9) عاصر الزغلول الزجَل منذ بداياته، فهو من أركانَه الأوائل. ومع شحرور الوادي وخليل روكُز يقف على رأس مُثلّث العبقريّة الذي أوصل الزجَل إلى ما عليه اليوم من شُهرةٍ ورُقيّ. وخلال سنواتٍ طويلة ذاع فيها اسمُه على كلّ شَفَةٍ ولسان، غنّى الزغلول في كلّ قرية ودسكرة ومدينة في لبنان، وقام بأكثر من 120 رحلة إلى بلاد الاغتراب. ألّفَ جَوقتَه الأولى عام 1944 ورئسها، ولا يزال بلا مُنازِع. وهو مع الشحرور (أسعد الخوري الفغالي) أوّلُ مَن أرسى دعائمَ المسرح وبروتوكول الحفلة، فأَوجدَ بذلك تقليدًا كان ولا يزال مُتَّبَعًا حتّى اليوم، نَهَجَ القوّالون والشعراءُ نهجَه ومَشَوا على خُطاه؛ فكان هو طليعةَ الرُوّاد الذين غنَّوا في حفلات النوادي والقرى والمدن. وحسب التقليد المتَّبَع تتأَلَّف الجَوقة، على الأرجح، من أربعة شعراء، وغالبًا ما تتّخذ اسمَ رئيسها؛ مثلاً: "جَوقة خليل روكز"، أو جَوقة "زغلول الدامور"، أو تُعرَفُ باسمٍ آخَر يُستعمَلُ كرمزٍ للجَوقة، مثلاً: "جَوقة القلعة" برئاسة الشاعر موسى زغَيب الذي كان من أعضاء جَوقة خليل روكُز، ونظرًا لتفوّقه وقيادته تسلَّمَ زمام الجَوقة بعده. غير أنّه لسببٍ أو لآخَر لم يُسَمِّ الجَوقة باسمه. ومِثلُه فعلَ الشاعر طليع حمدان، أحدُ أفراد جَوقة الزغلول البارزين؛ فقد شكّل جَوقةً برئاسته، وسمّاها "جوقَة الربيع". والشاعر طانيوس الحملاوي أسَّسَ جَوقة "فرقة الكنار". والشاعر حنّا موسى ألّف "جَوقة الأرز". والشاعر جريس البستاني رئس جَوقة "حسّون الوادي". هذا على سبيل المثال لا الحَصر. ولكن ما من جَوقة ثبتَت وأثبتَت وُجودَها ومقدرتها على الإبداع والاستمرار كجَوقة زغلول الدامور. والواضح جدًّا أنّ السببَ الرئيسيّ والأهمّ في بروزها ودوامها والفضلَ الأوّل في صمودها وكينونتها يعودان إلى الزغلول نفسه، هذا العندليب الذي كرّس حياتَه وجهدَه لخدمة الزجَل والمنبر والدفّ. ورغم أنّه أحيا المئات من الحفلات والمناسبات، فهو أبدًا رائدُ التجديد والإبداع، لا يُعيد نفسَه، ولا يُعطي من قديمه. وفي كثير من الأحيان، خاصّةً في ليالي الصيف الجميلة في لبنان، يكون الزغلول ضَيفًا، في كلّ ليلة بدون استثناء، على منبر مختلف. وكلّ ليلة يتجدّد ويجود ويرتجل ما يليق بالمناسبة. فهو أبدًا جديد، لا إعادة ولا تكرار، ولا تقديم للقديم من أقواله. هو ككبار الشعراء فينيق يشمخُ من رماد المناسبة، ويتوهّج مع لحظة الإبداع، ويرتدي عباءةً جديدة، ويكسو شعرَه حلَّةً طريفة، ويسكبُ قلبَه أنغامًا بنتَ ساعتها، ووليدةَ الجلسة الآنيّة التي هو كوكبُها وثمرتُها المتجدّدة. وأنا عاشقٌ لشعره وتغريده، وواحدٌ من الآلاف الذين حضروا حفلاتِه وأحبّوا شعره وصوته الرخيم الذي ألهَبَ الحماس وغنّى الوطنيّةَ والحبَّ والجمال؛ وواحدٌ من الآلاف الذين بكَوا في مناسبات التأبين والنَّعي والرثاء التي دُعيَ إليها الزغلول حين يُتَوفَّى شخصٌ ما، أكان من عامّة الناس أم من البارزين سياسيًّا واجتماعيًّا. فإذا