George N. El-Hage, Ph.D.
 
Arabic and Comparative Literature


 
Publications

 

مَدخَلٌ إلى العالَم الشعريّ عند خليل حاوي
أُسلوبًا ومضمونًا (1)

          


 بقلم الدكتور جورج نقولا الحاجّ
يكادُ خليل حاوي أن يكونَ الشاعرَ العربيَّ الوحيدَ الذي بنى عالَمًا شعريًّا قائمًا بذاته، لَهُ أُسُسه وهَيكليَّتُه وامتدادُه الحضاريُّ الراسخُ وحضورُه العالَميُّ المميَّز. وإن كان حاوي ينتسبُ تاريخيًّا إلى "جيل الرُوَّاد"1 الذين نَحَوا بالشِعر العربيِّ المُعاصِر مَنحًى جديدًا، ورفعوه إلى مستوًى لم يعرفه من قبل، فإنـَّّه بقيَ له صوتُه الفريد وطابعُه الخاصّ دون أن يُهادِنَ أو يُساوِمَ أو يتلوَّن، ودون أن يقعَ "فريسةَ التقليد الصارخ للشِعر الأجنبيّ" على حدِّ قول حليم جرداق في كلمتِه عن "الناي والريح"، ديوان حاوي الثاني.
الكلامُ على خليل حاوي الشاعر الأصيل يفرضُ الكلامَ على خليل الإنسان، مُلتزِمِ هذه الأصالة. فالإنسانُ والشاعر هنا مُتلازمان، ولا انفصامَ بينهما. فكما أنَّ خليل الإنسان عنيد، عصبيّ، مُحِبّ، كريم، مِضياف، وصادق،2 هكذا جاء شعرُه صلبًا، مُتوتِّرًا، أنوفًا ومُخلصًا. ولأنَّ خليل الإنسان كان عميقَ الثقافة، جادًّا "يُرهق نفسَه وراء الشِعر العظيم،"3 هكذا جاءَ شِعرهُ مُتلبِّسًا بجِدِّيـَّةٍ صارمة، مُكتنـزًا بثقافةٍ واعية، مُشرقًا بنورِ الرؤيا وبروقِ الكَشْف الحَدْسيّ.

لستُ أُحاولُ هنا أن أدرسَ قصيدةً من قصائد حاوي بعينها أو أن أشرحَ وأُعلِّقَ على ديوانٍ من دواوينه،4 وإنَّما أهدفُ إلى تقديم صورةٍ سريعةٍ ومُجمَلة تعرضُ بعضَ مَظاهر العالَم الشِعريّ الذي خلَقه حاوي، وكان جِدَّ غَيورٍ عليه ومؤمنًا به. شِعرُ حاوي أصلبُ من الالتزام وأعمقُ من التجربَة؛ إنَّه سيرةُ حياته وخلاصةُ مُعاناته؛ إنَّه قَدَرُه الذي ختمَه "بالفاجعة" التي عاينَها مُرتسمةً في أُفق الأُمـَّة العربيَّة المشتَّتة. وحين أَيقن أنَّ آمالَه ورُؤاه قد خابَت: بعضُها تحقَّق، وما كان هو يُريد لها أن تَتمَّ (حرب لبنان، غَزْو إسرائيل)؛ وبعضُها الآخر لن يتحقَّق (الوحدة العربيَّةَ والنَصر)، تكشَّفَ له أنَّ دورَه الطليـعيَّ الرُؤيَويّ في إيقاظ وَحدةِِ الشارع العربيِّ لم يكن مُصيبًا مثلما عاينَه في لحظات الانخطاف الشعريّ. فهو إمَّا قد جاءَ مُتأخِّرًا كالمُتنبِّي، الذي اعتبر حاوي شِعرَه "قِمَّةَ العطاء"، فراحَ يَطنُّ في أُذنه قولُ أبي الطيِّب: "يا أمَّةً ضحكت من جَهلها الأُمَمُ" إلى البيت القائل:
أَتى الزمانَ بَنوهُ في شَبيبَتهِ فسرَّهُم وأَتيناهُ على الهَرَمِ

وإمَّا أنـَّه قد جاءَ قبلَ أَوانه في عصرٍ عَقاربُ ساعاتِه لا تَدور، فقد توقَّفت عند مُستنقَع الرَتابة، بعد أن أَرهقَه الانتظار. ومن هنا اقتناعُه بأنَّ انتحارَه سوف يُعجِّلُ قيامةَ أُمَّته (قصيدة الكَهف).

الدخولُ إلى عالَمِ خليل الشِعريّ مُغامرةٌ تستلزمُ عودةً إلى الفطرةِ الأُولى وحَدْسًا ورُؤيا. فكما أنَّ ثقافةَ الشَاعر واسعةٌ ومُتشعِّبةٌ وكثيفة، كذلك الكتابةُ عن شِعره صَعبةٌ ومُرهِقة، ولكنَّها، على صعوبتها، مُغرِية، وعلى إرهاقِها، ضربٌ من "تدجين الغَرابة" ونفاذٌ إلى إشراقِه الآتي بعد استلهامِ الفطرة الأُولى.
عناصرُ العالَمِ الشِعريّ عند حاوي

لا بُدَّ لنا، أوَّلاً، من تحديد بعض المرتكَزات الرئيسة التي يتألَّفُ منها عالَمُ الشاعر. هذه العناصر هي بمنزلةِ الكُوى التي نَلجُ عبرَها إلى عالَمٍ فسيحٍ يكتنفُه "ضبابٌ وبروق"، ويلتقي عند مدخله "لَعازر" و"الأُمُّ الحزينة" يتقاسمان "الفاجعة". ثمَّ نهوي إلى "جحيم كوميديا" الشرق حيث الانحلالُ والتخلُّف والجمود، حيث لِحى الدراويش شرَّشت في الوَحل، "والحوتُ والتنِّين" يمتصَّان عروقَ الأطفال المُشتعلة "بالغاز والسموم". ويرتسمُ أمامنا "جسرٌ" يعبره "أبناءُ الطليعة الجديدة" الذين وُلِدوا في مخيِّلة الشاعر أحرارًا؛ إنـَّه جسرُ المَطْهر الذي يُؤَدِّي، عند دانتي، إلى الفردوس. أمَّا في عالَم حاوي، فالطريقُ يختلف، والجسرُ يوصِلُ العابِرَ إلى الفاجعة التي صرفَ حاوي عمرَه في مُجابهتها، وخَلقَ البطلَ بعد البطل للقضاء عليها، لكنَّها بقيت "عنوانَ المعاصرة"، وسيِّدةَ الساحة العربيَّة حتَّى اليوم، بعد مرور قرابة العقدَين على وفاته. ويتراءى للناظر، في نهاية المَطاف، شبحُ الشاعر المُبدِعِ يسقطُ أمام عدمِ اكتراث أُمَّةٍ شوَّهت الأَصالةَ واغتالت الفطرة.

1. الشعر: رؤيا وكَشفٌ حَدسيّ.
2. القصيدة: بناءُ عالَمٍ مُتكامِلٍ مُوحَّد.
3. البَطَل: سببُ الانبعاثِ والخصبِ والفداءِ ورمزُ الخلاص.
4. الأُسطورة: رمزٌ كُلِّيٌّ في القصيدة، وتُراثٌ مُشتركٌ بين الشاعر والجمهور.
5. الزمن: بطيءٌ مُتحجِّر مَطَّاطيٌّ لا يَدور ("قصيدة الكهف" خاصَّةً).
6. الشاعر: حاملُ همومِ شَعبه، وفي الآن نفسه حاملُ بشارة الخلاص؛ سلاحُه فطرةٌ شعريَّة ورؤيا وثقافة، وهو مؤمنٌ برؤياه حتَّى الموت.

سأُفصِّلُ الكلامَ على العناوين الثلاثةِ الأُولى، وتلافيًا للإطالة في هذه المقالة المُقتضَبة، سأُجمل الكلامَ على العناصر الثلاثة الأُخرى.

في عالَم حاوي الشِعريِّ تنتفي الازدواجيَّةُ بين رسالةِ الشاعر ومَهمَّةِ البَطل، ويتلاحمُ دَورُ الإنسان المُبدِع مع دَور المُنقِذ الذي يحملُ همومَ أُمَّته، يُعاني آلامَها ويُغنِّي آمالَها، لأنَّه، في ظنِّه، قادرٌ كشاعر على تحقيقِ بَعْثِ أُمَّتِه وإن اقتضى ذلك موتَه. وطالما ردَّدَ حاوي على مسمعٍ من أصدقائه وطُلاّبِه وأهلِه عزمَه على الانتحار، لأنَّه كان مُؤمِنًا حتَّى النهاية بأنَّ خلاصَ الأُمَّة العربيَّة لن يتحقَّق بدون فِعْل التضحية التي وحدها تُسبِّبُ القيامةَ الحقَّة للأمَّة، فتسري الحياةُ في عروقها، وتستيقظ من سُباتها العميق؛ ذلك بأنَّه كان يعتبرُ نفسَه رائي الأُمَّة وشاعرَها.

ومفهومُ حاوي للأُسطورةِ وكيفيَّةِ توظيفها في صميم القصيدة الحديثة يشفُّ عن عُمقِ ثقافته الموسوعيَّة وكثافةِ اطِّلاعه. فقد أيقنَ أنَّ "الرمزَ تجسيدٌ في المحسوس، وقيمتَه في الأداء أنَّه يُعبِّرُ عن المجرَّدات دون أن يقعَ في التجريد."5 لقد أرادَ حاوي العودة إلى "رؤية الإنسان البدائيّ... [إلى أنَّ] البعثَ محاولةٌ تلقائيَّةٌ مستمرَّةٌ في إبداعِ الرموز المُستمدَّة من واقع حضارتنا وحكاياتنا الشعبيَّة."6 ولِذا التصق شِعرُ حاوي ورؤياه بحتميَّة واقع الأُمَّة العربيَّة ومَصيرها. فكلَّما حاول أن ينهضَ بها في شِعره وبَصيرته ورُؤياه إلى عالَمٍ أرقى وحاضرٍ أكثرَ بريقًا وشفافيةً وزهوًا، أمعنَت هي في المراوحةِ مكانَها وأصرَّت على تخلُّفها وتشرذُمها وانحلالها. عيلَ صبرُه، وعاد لا يُطيقُ الانتظار. مرَّت السنواتُ وتلَت الهزيمةُ الهزيمة. فالشاعرُ الذي غنَّى للطليعة المُقبلة، "الجسر"، وحدَّث عن "الرجال الآلهة"، وتضرَّع وابتهل لتمُّوز كي يُباركَ النسلَ الجديد، هو نفسه الذي امتشقَ السوطَ في وجوههم وهزَّهم بغضبِه وشتيمتِه مُظهرًا عيوبَهم وتفاهتَهم، ومُردِّدًا مع الإمام عليّ: "يا أَشباه الرجال ولا رجال."

كنتُم صغارًا تافهين مدى الديارْ
صرتم صغارًا تافهين بلا ديـارْ

وما هَمَّ إن خسرتم الأرض، فالأرضُ بدون رجالها لا معنى لوجودها. هكذا أصبح البعثُ استحالةً، وتحجَّر الزمنُ العربيُّ في كهوف الماضي. تجمَّد وراحت الدقائقُ العقيمةُ تَلِدُ دقائقَ عقيمة كذلك، مطَّاطيَّةَ الأطراف، تُراوِحُ في مكانها ولا تدور. فانعدَمت الحركة، ووقعنا في هاوية العَار الذي يفضحُ حاضرَنا المشلول. هكذا صوَّر حاوي الزمَنَ العربيَّ الحاضر في قصيدته السّرياليَّة "الكهف".7

وإنَّه من المؤلِم لحاوي أن يكونَ قد تكهَّن بذلك الواقع المهزوم سنواتٍ قبل بلوغه.8

بعد تقديم هذه الخلاصة المُقتضَبة لمفهوم الشاعر والزمن والأُسطورة عند حاوي، نتوقَّفُ مَليًّا عند مفهومه للشِعر والقصيدة والبطل.

1-الشِعرُ رؤيا وكَشْفٌ حَدْسيّ

هذا إذا صدَق الحَدْسُ وأَشرقَ الوجدان. الشِعرُ إبحارٌ نحو الإشراق والصفاء والنقاوة، وكشفٌ عن عوالِمَ جديدة. إنَّه التصاقٌ وسَفَر. التصاقٌ بتُراثِ أمَّة بكامله، وسَفَرٌ نحو الأعماق. الشِعر حَالةٌ نفسيَّةٌ تتلبَّسُ لاوَعْيَ الشاعر، تنمو في داخله وتُشرِّشُ في ذاته، وتفرضُ عليه مناخَها الصعب. وهذه الحالة امتدادٌ رُؤْيَويّ من السديم إلى التبلوُر مرورًا بالشفافيَّة والانصهار. للشِعر عند حاوي عناصرُ ثلاثة رئيسة: الرؤيا والتجربة والفنّ؛ وغايتُه "الكَشفُ عن الكُلِّيِّ المُطلَق"9. أمَّا كيف تتفاعلُ هذه العناصرُ ويولَد الشِعر، فيُجيب حاوي:"ولمَّا كان الشِعر، كما عرَّفتُه مرارًا، رؤيا تُنيرُ تجربة، وفنًّا قادرًا على تجسيدهما، كانت السِّمَةُ التي يتفرَّدُ بها الشِعرُ تنحصرُ في طبيعةِ تَلَقِّي الرؤيا والتعبير عنها..." 10

أمَّا ثقافةُ حاوي الفلسفيَّة خاصَّةً ـوالشاعر المُعاصر عامَّةًـ ففي رأيه أنَّها ضروريَّة ولا شكّ. فقد عملَ حاوي على تعميقِ ثقافتِه العامَّة مُستلهمًا إيَّاها وسيلةً تُمكِّنُه من فَهم نفسه ومن إعادة تقويم تُراثه العربيّ خاصَّةً، وتُراثِ الحضارة الإنسانيَّة عامَّة، إضافةً إلى ما يشتملُ عليه هذا التراثُ من نظراتٍ في الإنسان والوجود. وهنا لا بُدَّ من التذكير بقول ت. س. إليوت T. S. Eliot الذي، ولا شكَّ، تركَ أثرًا في حاوي كما في شِعرنا العربيّ المُعاصر بشكلٍ عامّ؛11 فقد نصحَ إليوت الشاعرَ أن يكونَ متعمِّقًا لا في ثقافةِ عصره فحسب، بل أن يكون للثقافة الأوروبيَّة منذ هوميروس (ويمكننا أن نقول التراث الإنسانيّ عامّة) حضورٌ مُتزامِنٌ في ذاته مع الثقافة العصريَّة. فاستمراريَّةُ حضورِ التُراث الإنسانيّ، ماضيه وحاضره، جدُّ مهمَّة في إذكاءِ عمليَّةِ الإبداعِ وتنويرِ أبعاده. كذلك فقد ألحَّ إليوت على أنَّه يجبُ على الشاعر أن يفصلَ تمامًا في ذاته بين الإنسان الذي يُعاني والعقلِ الذي يُبدِع، وأنَّ الشاعرَ العظيمَ لا يُعبِّر بأفكارٍ بل يجدُ مُعادلاتٍ عاطفيَّة لأفكارِه ويُعبِّر بها. هذا ما أفادَ منه حاوي، وكذلك الشاعر صلاح عبد الصبور مثلاً. وقد عرف حاوي أنَّ بلوغَه ما يهدفُ إليه من تجسيدٍ لرؤياه الشِعريَّة قد تُسعِفُه الدراسةُ الفلسفيَّة بقَدرِ ما تُسعِفُه دراستُه الأدبيَّة تمامًا. وطالما تردَّد في البداية بين التخصُّص بالفلسفَة أو بالأدَب. إلاَّ أنَّ مَيلَه إلى الشِعر رجَّح كفَّةَ الأدب.12 أمَّا المناهجُ والمذاهبُ الفلسفيَّةُ وما يتبعها من تصنيفات ومُسَمَّيات، فكانت آخرَ ما يحفلُ به الشاعر من اهتمامات. الأصلُ هو الرؤيا، أي لحظاتُ الكَشْفِ الفطريّ. هذه الومضاتُ الخاطفة والثواني الإشراقيَّة هي المسؤولة عن عمليَّة الخَلق والإبداع، وكلُّ ما تبقَّى هو وقتٌ ضاع بين التنقيبِ والتحليلِ وجَمع المعلومات.

وإضافةً إلى ذلك، فالشِعر إلهامٌ وغربةٌ وانخطاف. يقول حاوي: "وربَّما كنتُ، بسببِ طبيعتي الشعريَّة، لا أحتفلُ بالمناهجِ التي تُـتَّـبَعُ في صياغةِ المذاهبِ الفلسفيَّة بقَدرِ احتفالي بالرؤيا التي تنطلقُ منها تلك المذاهب. وما زلتُ أَعتقدُ أنَّ الكشفَ عن الحقيقةِ في مجالات المعرفة، من فلسفيَّة وعلميَّة وشعريَّة، يصدرُ أصلاً عن الرؤيا. وتختلفُ [مجالاتُ المعرفة] في ما بينها في المناهج التي تُـتَّـبَعُ في تنظيمِ ما تكشفُ عنه الرؤيا. ولقد اعترفَ العلماءُ أنفسُهم أنَّ الإحصاءَ وجَمعَ المعلومات التي تُوفِّرُها الملاحظةُ الدقيقة تبقى مادَّةً كثيفة لا معنى لها ما لم يتيسَّر للعالِم، خلالَ تأمُّلاته الطويلة، ومضاتٌ من الرؤيا تُضيءُ خفايا المادَّة، وتكشفُ عمَّا تنطوي عليه من حقائقَ خفيَّة."13

صحيحٌ أنَّ التأمُّلاتِ الطويلة ضروريَّة، لكنَّها تبقى عاجزة كلَّ العجز عن الإبداع إلاَّ إذا رافقَها وَمضٌ رُؤْيَويّ يُفجِّرُ مكامنَ الخَلق. فالمنطقُ والعقلُ والتفسيراتُ والتأمُّلاتُ العلميَّة لا توصِلُ، برأيِ حاوي، إلى الهَدف المنشود: "ولا أُغالي إذا قلتُ إنَّه ليس في مقدور الاستدلال المنطقيّ أن يكشفَ، مَثَلاً، عمَّا تبدَّى لديومقريط حين قرَّرَ أنَّ أَصلَ الوجود ينطوي على ذرَّات. هذا ما أُورِدُه على سبيل المِثال وليس على سبيل الحَصر. ولذلك كانت الرؤيا المصدرَ الذي تستمدُّ منه نشاطاتُ الإنسان معرفةً تكشفُ عن جديد، وتُضيفُ جديدًا إلى قديم." 14

ويؤكِّد حاوي أنَّ التفاعلَ بين الشِعر والفلسفة غالبًا ما يكون تفاعُلاً بنَّاءً إيجابيًّا يُخصِبُ أحدُهما الآخر، ويُعطيه زخمَ الاستمرار والتطوُّر. وتبقى الرؤيا عنده هي المصدرَ والجوهر. فالشعرُ ليس ضربًا من البراعة الزخرفيَّة في صياغة مادَّةٍ مبذولة للجميع.15 وليس الشِعر شكلاً أو قالبًا، ولا هو من صِيَغِ المجاز أو الوزن16. إنَّ الشِعر عند حاوي وليدُ رؤيا جديدة تنمو وتتفاعَلُ في ذات الشاعر مُحدِثَةً شقوقًا وتحوُّلاتٍ وانهياراتٍ في وجوده النفسيّ، مُصطحبةً معها مناخًا من التجربة المُتكاملة، فلا يستطيع الشاعرُ أن يتفلَّتَ منها أو أن يُقاومَها. إنـَّها "الرؤيا" تفرضُ على الشاعر إيقاعًا مُلازِمًا لطبيعتها، وصيغةً من المجاز مُتجانسةً مع ألوانها وطقوسها؛ وعندها "يتَّحدُ الثلاثة: الرؤيا والإيقاعُ والمجازُ اتِّحادًا عُضويًّا... ولهذا يتَّحدُ في الشِعر الكشفُ بالتعبير ويوجدان وجودًا متلازمًا معيَّنًا."17

هذه الرؤيا ما هي؟ وكيف نعرفُها؟ فليست هي كلمةً بلا مدلول، ولا هي وهمٌ أو ضبابٌ غامضٌ متناثرٌ في الضياع، منفصلٌ عن الواقع المُعانى. إنَّها، كما يؤكِّد حاوي، "رؤيا يقينِ العينِ واللَمس."18 ويُفيد حاوي هنا من مفهوم أرسطو وكالِرِدْج للرؤيا فيقول: "إنَّ الرؤيا الشعريَّة نفاذٌ عبَر الواقع اليوميّ والحالات النفسيَّة المرتبطة به إلى الأغوار حيث تهجعُ المنازعُ الأصليَّة في ذات الشاعر وذات الحضارة التي ينتمي إليها."19 ورغم أنَّ حاوي يُؤَكِّدُ أنَّ هناك رؤيا أساسيَّة مُشتركة بين الشِعر والفلسفة، إلاَّ إنَّه يعتقدُ أن الرؤيا الشعريَّة هي أشملُ وأَعمق. فكثيرًا ما يُوفَّق الشاعرُ إلى التعبير عمَّا يختلجُ في أغوار ذاته وفي أعماق حضارته حين يُخفِقُ الفيلسوفُ أو يعجز. ويوضح حاوي قائلاً إنَّه بالرغم من أنَّ "غوته" و"كانْط" كانا معاصرَين، إلاَّ أنَّ شخصيَّة "فاوْست" مثلما أبدعها الشاعر الألمانيّ، جاءت أقرب إلى التعبير عن مطامح الإنسان في الحضارة الغربيَّة، وحتَّى في كلِّ حضارة، من كتابات الفيلسوف. وهكذا كانت رؤيا الشاعر أنفَذ، وأعمقَ بُعدًا وأصدقَ تعبيرًا من مذهب كبير الفلاسفة آنذاك.20

الشِعرُ محاولةٌ مُستمرَّة جَادَّة "لفَضِّ بَكارةِ الكَون"، ونفاذٌ عبر الواقع المُعانى إلى نعمة "الفطرة الأُولى"، إذْ كانت ـ

التربةُ السمراءُ في بَدْءِ الخليقَهْ

بكرًا لأوَّل مرَّةٍ تشهى

بحُضن الشمسِ، ليلُ الرعدِ

يوجعُها، وتستمري بروقَهْ...21

الشِعرُ مُجابهةٌ مزدوجةٌ لطبيعةِ الذات وطبيعةِ الكون "في حالٍ من التجرُّد المطلق"22. وما دام اغترابًا وسَفَرًا دائمًا في دُنيا الذات وفي رَحِم الكون، فإنَّه حركةٌ مستمرَّة؛ والحركةُ تغيير، وإن مرَّت بأزماتٍ ومتاهات، غير أنَّه لا بُدَّ لها من الوصول أخيرًا إلى مرحلة التجلِّي التي تُشارِفُ شواطئَ الانبعاث. ولقد خبرَ الشاعرُ هذا التغييرَ "فصولاً من الطراوة المنعشة".23 أمّا حين يمتنعُ السَّفَرُ ويتحجَّرُ الوقتُ (قصيدة "الكهف")، ويستحيلُ الإبحارُ في الزمَن، تولدُ الرتابةُ وتُشرِفُ الأمَّةُ على الهَرَم، فتروحُ تجترُّ ذاتَها، وتثبت على حالٍ واحدةٍ من العياء والتفسُّخ، فيكون "الثبات" نقيضَ الحركة، وفي الآن نفسه مُرادِفَ الموت. الثباتُ على حالةٍ واحدة، يقول حاوي، "جحيمٌ من السأم يسيرُ على خطٍّ رتيبٍ يتوسَّطُ بين التنفُّس والاختناق. ولقد عجبتُ لمن يرونه مُنتهى النعيم الموعود."24 فالشِعرُ لا يُمكن أن يُراوحَ في فراغ، لأنَّ الرؤيا وليدةُ الحياة، وليست رفيقةَ العدَم. الثباتُ حالةٌ من المرض الشديد، والمُراوَحةُ بين "التنفُّس والاختناق"، عند حاوي، هي أقصى حالات الهزيمة. إنَّها أشقى من الموت الفِعليّ. هي معادِلة لعبارة دانتي "رأيتُ في أروقة الجحيم بشرًا لا يعيشون ولا يموتون."25وقد استعانَ بها أكثر من مرَّةٍ ليصفَ حالةَ السأَم المُجدِب التي وصلت إليها أُمَّتهُ الهرِمَة. فالهرَمُ يُرعِبُ الشاعر. إنَّه زمنُ العجز والتشرُّش في المكان. فالبعثُ لا يمكنُ أن يحصلَ إلاَّ في زمانِ الشبابِ النابضِ بالعزم، المنفعِل بالحركة الدائمة. هكذا أراد حاوي -الطليعة المقبلة- أن تكونَ "صغارًا، سُمرًا، خِفافًا، من معدن الفولاذ، رياحينًا طِوالاً، وجوهًا يانعة."26 هكذا الشِعر، نَبْضٌ وفَيضُ عطاء؛ إنَّه تغييرٌ دائمٌ في رحلةٍ لا تهدأ. إنَّه حنينٌ عاصِفٌ إلى الإبحار في دنيا جديدة، واكتنازٌ للجديد. الشِعرُ تقويمٌ للتراث، مهمَّتُه إعادةُ نَفضِ محتوياته؛ فالشاعر حامي تُراثِ الأمَّة، لا يعرف الجمود، إذا ارتاح مات.

الشِعرُ عند حاوي "عُرْيٌ حتَّى الطهارة،"27 حتَّى البكارة الأُولى، وبلوغ "جوهر الفطرة" حيث تتمُّ معاينة "إشراقة الانبعاث" ومن ثَمَّ "اليقين".28 الشِعرُ الحقُّ "مُعاينة للرؤيا،"29 هو فطرةٌ تكشفُ نوايا الآتي:

...تشمُّ

ما في نيَّة الغابات والرياح

تحسُّ ما في رَحِمِ الفصلِ

تراهُ قبل أن يولَدَ في الفصول

تفوّر الرؤيا...30

وإذا كانت الرؤيا تُحيي وتُعيدُ تشكيلَ الكَون وتنضيدَ الأشياء، فإنَّها أيضًا تُحرِقُ لتُطهِّر، أو تُحرق لتُفنيَ كلَّ ما ليس مرغوبًا فيه من الشوائب العَالقة بوجدان الأُمَّة، أو لتُبيدَ "...أكداسَ...الأمتعة العتيقة والمفاهيم الرثَّة."31 أمَّا "التماسيح" التي كانت تُرعِبُ الناس، تسحقهم ولا تحسُّ بمعاناتهم:

أسماؤهم تحرقها الرؤيا بعينَيَّ

دخانًا ما لها وجود.

كذلك ما هو هَرِمٌ، رثٌّ ويابسٌ من "عَفَنِ الأمسِ ومقتنياته"ـ جميعُ هذه الإيديولوجيَّات السامَّة:

تحرقها الرؤيا بعينيَّ دخانًا

ما لها وجود.

والشعرُ كلماتٌ مُلهَمة، لأنَّه "بشارة،"32 أو قُلْ هو تأَهُّبٌ لتلَقِّي الرسالة الشعريَّة تدريجيًّا. فالشاعرُ ما يزالُ في رحلةٍ مُستمرَّة وراءَ ما يصنعُ التاريخ. يُخالِجُه أَنَّه يعرف، لأَنَّه يشعرُ بما يُريد دون أَن يهتديَ إليه بعد:

ولم أَزَلْ أَمضي وأَمضي خلفَه

أُحِسُّهُ عندي ولا أَعيه.33

لكنَّا لا نراه مُلزَمًا بهذا السَفَر، وبركوبِ مُغامرةٍ كهذه قد تُكلِّفُه حياتَه. إنَّه اختيارُه الواعي؛ بل قُل التزامَه لتجديد نفسه، وبالتالي لتحقيق أملِ أُمَّتِه المُنتظرة رجوعَه:

وكيف أَنساقُ وأَدري أنَّـني

أَنساقُ خلفَ العُريِ والخسارَة؟

الشاعرُ مستعدٌّ دائمًا لاصطياد لحظةِ الإلهام؛ لكنَّ حصولَها، بل توقيتها ليس رهنًا بزمنٍ يعرفُه أو يُحدِّدُه هو. فكان عليه أن يُعانيَ ويصطبر. فها هو قد "سلخ ذاك الرواق" و"طهَّر داره من صدى الأشباح،" و"عاش على انتظار" مترقِّبًا لحظةَ الإلهام، لعلَّ "ملاكَ الربِّ" يمرُّ، فيُغويَه الشاعرُ بالبقاء. وطال الترقُّب، واشتدَّ الحصار على الشاعر، فالشعرُ المُلهَمُ لا يأتي بهذه السهولة. فاللحظةُ الشعريَّة غُربةٌ وضربٌ في المجهول، إنَّها لحظةُ التحوُّلِ والانتقالِ من رؤيا الواقع إلى واقع الرؤيا:

أغلقَت الغيبوبةُ البيضاءُ عينَيَّ

تركتُ الجسدَ المطحونَ

والمعجونَ بالجراحْ

للموجِ والرياحْ...

طلَّقَت الروحُ الجسدَ الجريح، وصعَّدَت في سماء الانعتاق الأبيض.34 لكنَّ بلوغَ القِمم صعب. إنَّها البداية ليس إلاَّ. وتومضُ الرؤيا في وَعْيِ الشاعر المصلوب فيَرى:

داري التي تحطَّمتْ

تنهضُ من أنقاضِها

تختلجُ الأخشابُ

تلتمُّ وتحيا قبَّةً خضراءَ في الربيعْ...

لكنَّ الشاعرَ لا يملكُ تفسيرًا لهذه اللحظة بعد، بل قُلْ هو لا يَجرؤ على تَصديقها واستخلاص فَحواها وتَفهُّم ما يجري له، فكيف يدَّعي ما يحسُّه ولا يَعيه:

لن أدَّعي أنَّ ملاكَ الربِّ

ألقى خمرةً بكرًا وجمرًا أخضرًا

في جَسدي المغلولِ بالصقيعْ

صفَّى عروقي من دمٍ

مُحتقِنٍ بالغازِ والسمومْ

عن لوح صدري مَسَحَ

الدمغاتِ والرسومْ

صحوٌ عميقٌ مَوجُه أُرجوحةُ النجومْ،

لن أدَّعي، ولستُ أدري كيف...

ففي حَيرته ودهشتِه يروحُ يُؤَوِّلُ الأسباب، يُعطيها تفسيراتٍ متباينة، لعلَّها نشوةُ الجراح هي التي أثَّرت في إحساسِه وجعَلته يَرى ما يَراه. لعلَّه البحرُ وصوتُ الموج والرياح، لعلَّها "الغيبوبةُ البيضاء" التي لم يعِ تفسيرَها بعد. كلُّ هذا لأنَّه مُقتنعٌ بأَنَّه غيرُ جديرٍ بمهمَّة الإنقاذ، ما زالت تنقصُه الإرادةُ الواعية لتقبُّل الرسالة الشعريَّة وما يسبقُ ذلك من عذابٍ وقَهرٍ للذات وكَبحٍ للرغبات. فيزدادُ اضطرابُه، ويتأرجحُ بين الحلم والحقيقة. إنَّه قد يشعرُ "بالنبضةِ الأُولى" تختلجُ في ذاته العارية حتَّى جوهرِ الفطرة التي يحاولُ اكتنازَها، ويحسُّ بالرؤيا تَعبرُه، لكنَّه لا يزال عاجزًا عن النطق: "رؤيا ما اهتدت للَّفظ." "فيغصُّ"، وتنسكبُ دموعُه، ويتوهَّجُ بالإيمان، فيُداخلُه أنَّه يسمعُ صوتَ الملاك، ويلمحُ طيفَه في السحاب. ماذا يقولُ الصوت؟ أَيدعوه للحُبِّ المُطلَق، أم يدعوه للشهادة؟ ويرجوه الشاعرُ بإلحاح أن تجسَّدْ ـ

واغترِفْ من جسَدي

خُبزًا ومِلحًا

خمرةً ونارْ...

يدعوه لأن يلبسَه ويحلَّ فيه، فيتَّحدا في كينونةٍ واحدة تمنحُ الشاعرَ القوَّةَ والقدرة على الكلام وإبلاغ الرسالة الشعريَّة. لكنَّ الصورةَ لم تكتملْ بعد. فبين المُعاناة "والجوع" يظلُّ الشاعرُ وحيدًا "على انتظار." ويُخالجُه أنَّ أُمَّتَه تظلُّ كذلك مُنتظرةً عودتَه من رحلته الرُؤيويَّة. لن تُبعَثَ إلاَّ به وبواسطته: "داري تُعاني آخرَ انتظار." حاوي هنا، في وصفه الشائق والرائع لهذه اللحظاتِ المصيريَّة التي تسبقُ البعثَ والانتفاضةَ الكُبرى، يسلك طريق كُتَّاب الملاحم الأُسطوريَّة حيثُ لا بُدَّ للبطل من عذابٍ يُصفِّيه، وحيث لا بُدَّ له أيضًا من النـزول إلى الجحيم قبل أن يستحقَّ عطيَّة الآلهة. التضحيةُ قبل الاستحقاق، والامتحانُ الصعبُ قبل الوصول والظَّفَر. ومرَّةً أُخرى يستفيدُ الشاعرُ من سيَرِ الأنبياء ومُعاناتهم وعذابهم وانتظارهم. ها هو سائرٌ، وما يزال، خلف الصوت-الطَّيف. فلحظةُ اليقين ما بَرحت بعيدة.

هكذا سارَ قبله بروميثيوس، وأوذيسيوس (عوليس) وأُورفيوس وهِرَقل وإنياس ودانتي. يُخَيَّلُ إليه أنَّ الرؤيا كانت مُعاينة، ولكنَّه لا يزال عاجزًا عن الكلام والإفصاح، فعُقدة لسَانه لم تُحَلَّ بعد:

وكان ما عايَنتُ مِمَّا ليس

يُروى عادةً أو يُعاد.

يتعذَّب وتطولُ معاناته، فيتصفَّى، شيئًا فشيئًا، من أدران الخطيئة. يحترقُ بلَهَبِ الرؤيا، "تصرعُه الرؤيا" وتُذهِلُه. يبكي، يتمزَّق ويطولُ صمتُه شهرَين دون أن يقدرَ على التعبير عمَّا يَراهُ، فيصرخ بحرقةٍ والتياع:

أُعاينُ الرؤيا التي تصرعُني حينًا،

فأبكي،

كيف لا أَقوى على البشارة...

جَفَّت شفتي،

متى متى تُسعفني العبارة؟

بعد هذا التصعيد المَلحميّ الأخَّاذ الذي تصلُ فيه المُعاناةُ إلى ذُروتها، تتكشَّفُ الحُجُب ويغدو الشاعرُ صافيًا "كالصبح"، فيمتلئُ بنشوة اليقين، ويُعطى له أن يَنعمَ بواقع الرؤيا وبركةِ الفطرة الأُولى فيطمئنّ. سيؤذَن له بالكلام، وستُغنِّي الرؤيا في صوته. سيتجسَّد فيه "الطيف"، ويحلّ فيه "الصوت":

واليومَ، والرؤيا تُغنِّي في دَمي

برعشةِ البرق وصَحْو الصباح...

سوف تأتي ساعة

أقولُ ما أقول.

وتتمخَّضُ المرحلةُ الأخيرة عن لحظةِ التَجليّ، إنَّها حُلوليَّة الرؤيا في ذات الشاعر، حيث يُتاحُ له أن يَشهدَ من كُوى الحاضر مُستقبلَ أُمَّته الآتي، فيراهُ حافلاً بالتطوُّر والتقدُّم، يُجاري حضارات الأُمَم العظيمة في الأرض. أُمَّةٌ نهضت زراعيًّا، تجاريًّا وصناعيًّا. إنَّها رؤيا يُجسِّدها "إله" من صَنيع الشاعر لا سابقة له في الميثولوجيَّات -إلاَّ عند وليام بليك، ربَّما- الذي كان حاوي قد قرأه عن كثَبٍ حين كتبَ أُطروحته الشهيرة عن جبران خليل جبران:

تحتلُّ عينَيَّ مروجٌ، مُدخنات

وإلهٌ بعضُه بَعلٌ خصيب

بعضُه جبَّارُ فحمٍ ونار...

يحتلُّ عينَيَّ رواقٌ شمخَتْ
أضلاعُه وانعقدَت عَقْدَ

زنودٍ تبتنيه، تبتني الملحمة.

إنَّها رؤيا ملحميَّة تحتلُّ وَعيَ الشاعر. وهكذا يتحوَّل "تمُّوز"، بَطَلُ "نهر الرماد"، في "قفزة نوعيَّة" من إلهِ "الخصب والبقول" إلى إلهٍ يُشاركُ كذلك في الصناعة الحديثة، يحملُ في ذاته مُعادَلة الريف والمدينة، يتصالحُ فيه الريفُ مع المدينة في لحظةٍ استثنائيَّة تضمنُ استمراريَّة الماضي المجيد مع المستقبل الزاهر عبرَ حاضرٍ مُشرقٍ دعائمُه اليقين والثبات، ومداه جسرٌ عِمادُه "أَضلُع" الشاعر وأعصابُه. وبالتالي، يستحيلُ الشاعرُ إلى راءٍ يُبشِّر بالآتي، يُحدِّث عن الذي يَراهُ ويُفسِّر رموزَه كشعبه "العظيم" الذي من أجله عانى ما عاناه:

عُدتُ إليكم شاعرًا في فَمِهِ بشارة

يقولُ ما يقول

بفطرةٍ تحسُّ ما في رَحِم الفَصلِ

تَراه قبل أن يولَد في الفصول.

لكنَّ حاوي ليس شاعرًا دجَّالاً يُوهِمُ الناسَ بأنَّه يقرأ المستقبل. فالرؤيا في مفهومها الشعريِّ الحديث ليست تبصيرًا وشعوذة (بصَّارة الحيّ)، ولا هي ادِّعاءٌ بتلقِّي رسالةٍ إلهيَّة؛ فحاوي هنا يستفيدُ من مفهوم بلايْك وثورو وييتس وجبران لتعريف الرؤيا الشعريَّة، بمعنى أنَّ الشاعرَ ينطلقُ من الواقع، يتعمَّق فيه، يُحلِّلُه ويقول لشعبه: إذا أنتم تابعتم السيرَ على هذا المنوال فالنتيجة لا بُدَّ من أن تكون هكذا. إنَّه يتمتَّعُ ببصيرةٍ ثاقبة تنفذُ عبرَ الواقع المُعطَى، وتصلُ إلى النتيجة قبل حصولها. وقد عرف وليام بليك هذا منذ أمدٍ بعيد.35

واستنادًا إلى مفهوم بلايْك يقول حاوي:"ولستُ أدَّعي أنَّ الرؤيا الشعريَّة تُزيحُ الحُجُب أو ترى عبرَ الحجُب مصيرًا مقدَّرًا يهبطُ من عالَمِ الغَيب، بل إيغالٌ عبرَ ظواهرِ الواقع إلى بواطنِه حيث يولَدُ الحُلم في صيغةِ القَدَرِ المُبرَم الذي تعملُ عواملُ خفيَّة معقَّدة على تجسيده وتحويله إلى واقعٍ ظاهر."36

إنَّ الشِعرَ عند خليل حاوي هو الفنُّ الكتابيُّ الأسمى، أي إنَّه ذُروة الإلهام الأدبيّ، بمعنى أنَّه لا يحتملُ النوافلَ ولا التمييع؛ إذْ إنَّ الشاعرَ المُعاصر، كما يشرح إيليَّا حاوي، لا يهنأُ حتَّى يكونَ موفورَ الكرامة وأمَّته