George N. El-Hage, Ph.D.
 
Arabic and Comparative Literature


 
Publications

 

صحيفةُُ "الرسالة" اللبنانيَّة المهجريَّة

 

بين يَديَّ ثلاثةُ مُجلَّداتٍ يَتيمةٍ لصحيفةٍ صَدرَتْ في ولاية نيويورك بين أَواسطِ العشرينيَّاتِ وأوائِل الأربعينيَّاتِ من القَرنِ العِشرين. وهذهِ الصحيفةُ المُسمَّاةُ "الرسالة" كانت، على ما يَبدو، مُعاصِرةً لصُحُفٍ ومَنشوراتٍ عَربيَّةٍ عديدةٍ ظَهرتْ في المهاجر وفَاقَتِ "الرسالةَ" شُهرةً وانتشارًا، لأنَّ القيِّمينَ على تلكَ الصُّحُفِ والكاتبينَ فيها كانوا أَعمقَ خِبرةً وأبعدَ صيتًا وأكثرَ قُدرةً في النواحي المادِّيـَّةِ والسياسيَّةِ والاجتماعيَّةِ من القَيِّمينَ على "الرسالة". فنحنُ مَثلاً حين نتكلَّمُ على الصِّحافةِ المهجريَّة، نُسرعُ إلى ذِكر "كوكب أميركا" لإبراهيم ونجيب عربـيلي (1888)، و"الهُدى" لنعُّـوم مكَرزل (1898)، و"مرآة الغرب" لنجيب دياب (1899)، و"المُهاجِـر" لأمين الغريِّـب  (1902)، و"السائح" لعبد المسيح حدَّاد (1912)، و"الفنون" لنسيب عَريضة ونظمي نسيم (1913)، و"السَّمير" لإيليَّا أبي ماضي (1929).

فـ"الهُدى"، مَثلاً، ما لبثَ صاحبُها أن نَقلَ مكاتبَها من فيلادِلفيا إلى مدينةِ نيويورك عام 1903، بالاشتراكِ مع أخيه سلُّوم مكرزل. وكانت "الهُدى" أوَّلَ جريدةٍ عربيَّةٍ تَقفزُ في نَقلةٍ نَوعيَّةٍ من الطباعةِ اليَدويَّةِ إلى الطباعةِ الآليَّة.[1] وهنا لا بُدَّ من التَنويهِ بإسهامِ سلُّوم مكَرْزل في تأسيسِ مجلَّةٍ أدبيَّةٍ مُهمَّةٍ بعنوان "العالَم السُّوريّ" The Syrian World؛ وقد صدرَت من العَام 1926 حتَّى العام 1932 باللُّغةِ الإنكليزيَّة. وخلالَ حَياتِها القصيرةِ التي لم تتعدَّ الستَّ سنوات، استطاعَتْ أن تَفخرَ بأقلامِ كُتَّابٍ زيَّنوا صفحاتِها بمقالاتٍ رائعة؛ منهم نَذكُرُ، على سبيلِ المِثال، جُبران خليل جُبران، ميخائيل نُعيمة، أمين الرِّيحانيّ، إيليَّا أبي ماضي، ووليَم كاتسفليس –معظمُهم من أعضاءِ الرابطةِ القَلَميَّة- إضافةً إلى المؤرِّخِ اللبنانيِّ فيليب حِتِّي.[2]

و"الفنـونُ" التي صـدَرتْ لخمسِ سنـواتٍ فقط (1913-1918)، وظهرَ منها 29 عَددًا، أسَّسها نسيب عَريضة كمجلَّةٍ أدبيَّةٍ تَصدرُ مرَّةً في الشَهر. وقد مدَّها جُبران بمقالاتهِ ورُسومهِ، وكتبَ فيها، إضافةً إلى نَسيب عريضة ونُعيمة والرِّيحانيّ وأبي ماضي وغيرِهم. وكانت تَنشرُ القصائدَ والمقالاتِ بالفُصحى فقط. ومَعروفٌ أنَّ صاحبَها اضطُرَّ إلى وَقفِ إصدارِها ثلاثَ مرَّاتٍ خلالَ سنواتِها الخَمس لعدَّةِ أسبابٍ، أبرزُها عَدم توافُر الوَرق للطباعَة، والافتقارُ إلى عُمَّالٍ من ذَوي الجدَارة، وعجزُه عن جَمعِ قيمةِ الاشتراكات؛ أو بسببِ تلكُّؤ المُشتركينَ عن دَفعِ الرسومِ المُتوجِّبةِ عليهم، الأمرُ الذي أدَّى إلى عَدمِ تَوفيرِ المالِ الكافي لتغطيةِ نَفقاتِ الطباعةِ والنَشرِ والتَوزيع.

ومثلما يُخبرنا نُعيمة في كتابهِ عن "جُبران"، فقد كانت "الفنون" إحدى ضَحايا الحَربِ العالميَّةِ الأولى. ورُغمَ غَيرَةِ عَريضة ونُعيمة وجُبران وحِرصِهم على مُحاولةِ إعادَتِها إلى الحياةِ وبَثِّ الرُّوحِ فيها، فـ "الفنونُ" غابَتْ إلى غَيرِ رَجعَة. يقول نُعيمة مُعلِّلاً ذلك: "إذْ وجدتُ أَنَّ الخُطَّةَ التي قد رسمَها جبران ونسيب [عريضة] كانت خُطَّةً يسهلُ تطبيقُها على الورَق ويكادُ يستحيلُ تحقيقُها بالعمل."[3] المُشكلةُ الأساسيَّةُ كانت وبَقِيَت إيجادَ المالِ الضروريِّ لإنعاشِ الجَريدة؛ وما مِن أحدٍ من الذينَ وَرَدتْ أسماؤهُم أعلاهُ كان يَملكُ النقودَ الكافيةَ لتَمويلِ الجَريدةِ الشهريَّةِ، التي كان نَسيب عَريضة رئيسًا لتحريرِها وراغب مِتراج مُديرًا لأعمالِها، وكانت قيمةُ الاشتراكِ السنويِّ بها خمسةَ ريالاتٍ، والدَّفعُ سَلَفًا.

والجديرُ بالذِكرِ هُنا، أنَّ تاريخَ الصِّحافةِ المهجريَّةِ في سنواتهِ الأُولى، أي بين العام 1862 وإطلالةِ نهايةِ القَرنِ العشرين، كان مَشوبًا بصراعاتٍ ونزاعاتٍ ومُهاتَراتٍ حَملَها اللبنانيُّون مَعهم من مُجتمعاتِهم الضَّـيِّقةِ في بلدِهم إلى أمريكا؛ فانعكَستْ هذه النِـزاعاتُ على صَفحاتِ جَرائدهِم، وعَبْرَ نَواديهِم وجَمعيَّاتِهم التي أسَّسوها في دُنيا الاغتِراب. ففي أمريكا، حيثُ للكلمةِ حُرمةٌ وحُرِّيـَّة، برزَتْ هذه الصِّراعاتُ واضحة، وتَركتْ بصَماتِها على "صفحاتٍ مشؤومةٍ في تاريخِ الصَّحافةِ المهجريَّة."[4]

 

صحيفةُ "الرسالة" وبداياتُها الصعبة

ونحنُ إنَّما نَذكرُ هذا كلَّهُ لنَلفِتَ الانتباهَ إلى أنَّ العوامِلَ المادِّيـَّةَ وكثرةَ الشائعاتِ والآراءِ والخلافاتِ الصَّحفيَّةِ بين أَبناءِ الجاليةِ التي تسبَّبتْ في احتجابِ بعضِ الصُحفِ المَرموقةِ، كـ "الفنونِ" مثلاً، كلُّها عَوارضُ أصابتْ مَسيرةَ الصِّحافةِ المهجريَّةِ بشكلٍ عامّ، ولم تَسلمْ منها كُبرَياتُ النَشَرات، بما في ذلك "الرسالة" التي نحنُ بصَددِ الكلام عليها. إلاَّ أنَّ "الرسالةَ"، بفضلِ جُهدِ صاحبِها ومؤسِّسِها الدَّؤوب، استمرَّت في الصُّدور، وهي كزميلاتِها، تُعاني "الفقرَ والقِلَّة" مع التلميحِ إلى التوقُّفِ عن النَشر، ولكن دونَ أن تَتوقَّف فِعلاً.

وصحيفةُ "الرسالةِ" بحدِّ ذاتها، لا تُعطينا فكرةً واضحةً عن مُؤَسِّسِها وناشِرها. مُعظمُ المعلوماتِ الواردةِ في هذه المَقالةِ عن صاحِبها، مُرشِد جرجس مَسعود، استَقيتُها من حَفيدِه، السيِّد ريك جورج، المُقيمِ حَاليًّا في مدينةِ سيراكيوز Syracuse، من أَعمالِ ولايةِ نيويورك، إمَّا خلالَ مُقابلاتٍ شخصيَّةٍ، أو عَبرَ البريدِ الإلكترونيِّ من رَسائلَ مُتبادَلةٍ بيننا. أمَّا المُجلَّداتُ الثلاثةُ المُشارُ إليها آنِفًا، فقد كانت مُخبَّأةً بصُندوقٍ في الطبقة السُّفلى من منـزلِ الحَفيدِ الذي، كالكثيرينَ من أبناءِ جيلِه، لا يَقرأُ ولا يَفهمُ اللُّغةَ العَربيَّةَ، لكنَّهُ، والفضلُ هنا لوالدِه، كان على عِلمٍ بوجُودِ هذهِ المَخطوطاتِ ومُدركًا لقيمَتِها الأدبيَّة.

وممَّا ذَكرهُ لي السيِّد ريك جورج أنَّ جدَّهُ مُرشِد مَسعود وُلِدَ في العاشِر من شهرِ تمُّوز (يوليو) عام 1895، في بلدةِ أرصون اللبنانيَّة، ثمَّ هاجرَ إلى أمريكا حَوالى العام 1910 وهو في الخامسةَ عَشرةَ من عُمره. عملَ مُرشد، أوَّلا،ً حائِكًا في مَعملٍ لحياكةِ الحَريرِ في مدينةِ دانبوري Danbury بولاية كَـنِّيتيكَتْ Connecticut القريبةِ من نيويورك، حيثُ سكنَ مع شقيقِه شُكري مَسعود وأربعةِ شُبَّانٍ لبنانيِّين، بينهُم والدُ المرشَّحِ السَّابقِ لرئاسةِ الجمهوريَّةِ الأمريكيَّة، السيِّد رالف نادر Ralph Nader. هؤلاء الشبَّان الستَّة سَكنوا في بيتٍ واحدٍ، وعُرِفوا في مُحيطهم آنذاك بـ "الشَباب الستَّة الأرصونيِّـين" –نسبةً إلى مَسقطِ رأسِهم أرصون. وبعد فترةٍ انتقلَ نادر الأبُ إلى مدينةِ وِنستيد Winstead في كَـنِّيتيكَت أيضًا. وما لبثَ مُرشد مَسعود أن انتقلَ إلى مدينةٍ صغيرةٍ في ولايةِ نيويورك اسمُها هورنيل Hornell ، قُبيلَ العام 1914، ليعمَلَ في مَشغلٍ للحريرِ هناك. فمدينةُ هورنيل كانت آنذاك أكبرَ مَركزٍ لإنتاجِ الحَريرِ بعد باترسون Paterson في نيوجرسي New Jersey .

وحسبما يقولُ السيِّد ريك جورج، نقلاً عن والدهِ المُسِنّ، إنَّ جدَّهُ، مُرشد مَسعود، راحَ يُفكِّرُ بإنشاءِ الصَّحيفةِ في مدينةِ هورنيل خلالَ تلكَ الفترةِ نفسها. وبعد حوالى عقدَينِ من الزَمن، زارَ مُرشِد قريبًا له في مدينةِ سيراكيوز، فأعجَبتْهُ المدينة، وهي أكبرُ وأكثرُ تَقدُّمًا من هورنيل، فقرَّرَ الانتقالَ إليها مع عائلتِه بين العامَين 1934-1935،  ووجدَ عملاً له هُناكَ في مَشغلٍ للحريرِ أيضًا.

والجديرُ بالذكرِ، هنا، أنَّ السيِّد مُرشد مسعود كانَ مُصِرًّا على تحسينِ نوعيَّةِ الطِباعةِ وإصدارِ أكبرِ عَددٍ ُممكنٍ من الصَّفحاتِ المكتوبةِ بخطِّ اليَد، الأمرُ الذي كان يتطلَّبُ الوقتَ الطويلَ والجُهدَ الجَهيد؛ فشرعَ يُفكِّرُ بطريقةٍ أكثر تِقنيَّةً لإصدارِ صحيفتهِ المطلوبة آنذاك، فابتَدعَ طريقةً أفضلَ لصناعةِ مَطبعةٍ يَدويَّةٍ مُستخدِمًا أُسطُوانتَين شَبيهتَين بالشَّوبك أو المِرقاق استلَّهُما من آلةٍ قديمةٍ لغَسلِ الثياب. وكانت هاتان الأُسطوانتان تُستعملان لعَصر الثيابِ المَغسولة. وبما أنَّ الصَّحيفةَ كانت أصلاً مخطوطةً على وَرقٍ خاصّ، فقد كان مُرشِد يُلصقُ النسخةَ المَخطوطةَ على هاتَين الأُسطوانتَين مُستعينًا بطبقةٍ من الجيلاتين الشفَّاف. وهكذا أصبحَ باستطاعتهِ أن يُمرِّرَ الشوبكَين على الأوراقِ البيضاء المُغمَّسةِ بالجيلاتين، فتُطبَعُ الحروفُ السَوداءُ عليها بدقَّةٍ وسُرعة. وبما أنَّ جورج، ابن مُرشد، كان فنَّانًا يَهوى الرَّسم، فقد كانت مَهمَّـتُه تَزيـينَ بعض صَفحاتِ الجريدةِ برسومٍ كاريكاتوريَّةٍ مُستوحاةٍ من إحدى المقالاتِ المُدرجَة، خاصَّةً المقال الافتتاحيّ.

ويُصرُّ السيِّد ريك جورج، نقلاً عن والدِه، على عَدمِ وُجودِ شُركاءَ لجدِّهِ أَسهموا مع مُرشد في إصدارِ الجريدة، مُؤَكِّدًا أنَّ "الرسالة" لم تُصبحْ في أيِّ وقتٍ من الأوقاتِ شركةً مُساهمة؛ وهذا نقيضُ ما نجدُه في العددِ رقم 22 الصادرِ في 5 تشرين الثاني 1932.

ويذهبُ السيِّد ريك جورج إلى القَولِ إنَّ جدَّه كان على اتِّصالٍ دائمٍ ووَثيقٍ بعديدٍ من رجالِ الدِّين البارزينَ في أمريكا الشماليَّة آنذاك، لِما كان لهؤلاءِ من حُضورٍ مُميَّزٍ وكلمةٍ مَسموعةٍ عند الجاليةِ اللبنانيَّة-السوريَّة. وكان هؤلاء الكهنةُ يُقيمونَ عند وُجهاءِ القُرى التي يَزورونَها. ويُضيفُنقلاً عن والدِهأَنَّه كانت تُستأجرُ أحيانًا قاعةُ احتفالاتٍ كبيرة يجتمعُ فيها كثيرونَ من رجالِ الأدبِ والصِّحافةِ يأتونَ من مُختلفِ أنحاءِ الولاياتِ المُتَّحدةِ للاشتراكِ بمَهرجاناتٍ أو حُضور حَفلاتٍ أدبيَّةٍ أو اجتماعيَّةٍ أو شِعريَّةٍ يُحييها شُعراءُ المُدُن والقُرى؛ وغالبًا ما تكونُ هذه اللقاءاتُ من نوعِ المُساجَلاتِ الزَّجليَّة، يَتبارَى فيها الزجَّالون بطريقةٍ تُذكِّرُنا بحفلاتِ الزَّجلِ الحَديثةِ التي كانت، وما تزالُ، شائعةً في لُبنان اليوم.[5] ويبدو أنَّ هذه المَهرجاناتِ كانت تَستلزمُ التحضيرَ الوافي، وتُعتبَرُ حَدثًا اجتماعيًّا مُهمًّا ينتظرُه الناسُ ويتوافدونَ إلى حُضورهِ بشكلٍ مُكثَّفٍ ومُستمرّ. ويؤكِّدُ السيِّد ريك، نقلاً عن والدِه، أنَّ جدَّهُ وشقيقَ جدِّه، شُكري، قد زَارا جُبران خليل جُبران أكثرَ من مرَّةٍ في بوسطن، قبل انتقالهما إلى سيراكيوز، وأنَّ جدَّه، صاحبَ "الرسالة"، وجُبران كانا قد تبادَلا الرسائل بالعَربيَّة؛ غيرَ أنَّه لم يُعثَر على أيٍّ من هذه الرسائل. لكنَّنا لا نستطيعُ الجزمَ بحدوث مِثلِ هذا التبادُل ما دُمنا لم نعثر على شيءٍ مادِّيّ يُثبِتُه. ويَذكرُ ريك أنَّ جدَّهُ قد تَرأّسَ وَفْد "الرسالة" مُنضمًّا إلى عدَّةِ صِحافييِّنَ ورؤساءِ تحريرِ جَرائدَ محلِّـيَّةٍ أُخرى إلى مأتمِ جُبران، وأنَّه كتَبَ وَصفًا وافيًا لمأتمِ "نابغة لبنان" طالما كان والدُه يُسهبُ في الحديثِ عنه. غير أنَّ العددَ الخاصَّ بتلك الحقبةِ، أي نيسان 1931، غيرُ موجود، ولا نعرفُ هل حُفِظَ وأين؟ وأخيرًا يَذكرُ السيِّد ريك جورج أنَّ جدَّهُ كان دَؤوبًا على العملِ والقِراءةِ والتَّفكير، وكان يَروي لهُ القِصصَ والحِكاياتِ عن قريتهِ مازجًا الجدَّ بالهَزلِ واللهجةَ اللبنانيَّة العامِّـيَّة بالإنكليزيَّة  الشعبيَّة.

 

تاريخُ صَحيفةِ "الرسالة" وهُويَّـتُها

المجلَّداتُ الثلاثةُ التي بين يدَيَّ هي عبارةٌ عن صَفحاتٍ كبيرةِ الحجمِ مكتوبةٍ بخطِّ اليَد، غيرَ أنَّها في حالةٍ يصعُبُ معها استنساخُها أو تصويرُها، بل تصفُّحها أحيانًا، لأنَّها هشَّةٌ وسَريعةُ العَطَب. كما تَصعبُ قراءةُ بعض سطورِها في مواضِعَ عديدةٍ، لأنَّ حِبرَها قد جَفَّ تمامًا أو مُسِح، فاختفتْ عدَّةُ حروفٍ، وأحيانًا ضاعتْ سُطورٌ بأكملِها. هذا إضافةً إلى وجودِ عديدٍ من الأخطاءِ النحويَّة، لأنَّ لُغتَها العربيَّة هي مَزيجٌ من العامِّـيَّةِ والفُصحى، وفي مواقعَ كثيرةٍ أقربُ إلى المحكيَّةِ الدارجةِ منها إلى الفُصحى البَليغة. و"الرسالةُ"، على ما يبدو، كشقيقاتِها الصُّحف العربيَّة، آنذاك، لم تكنْ في بداياتِها تَصدرُ بشكلٍ مُنتظم، لأنَّ صاحبَها يقولُ إنَّها "تصدرُ في كلِّ فترة وتُرسَلُ لِمَنْ يُراسِلها". ويحملُ العددُ الأوَّلُ مِمَّا بين يَدَيَّ الرقمَ 14، للسنة السادسة، وهو مؤرَّخٌ في 14 أيَّار سنة 1932. وهذا يَعني أنَّ العددَ الأوَّلَ من "الرسالة" كان قد صدرَ في العام 1927، وإن نكنْ لا نَعرفُ اليوم والشهر. والعددُ الذي بين يَدَيَّ يحملُ اسمَ مؤسِّس "الرسالة" ومُحرِّرها، مُرشد جرجس مَسعود، باللُغتَين العربيَّةِ والإنكليزيَّة، كذلك مكانَ صدورِها وعنوانها في هورنيل، نيويورك، رقم 71، شارع ستايت. ومع أنَّ العددَ الأخيرَ من الأعدادِ التي بين يَدَيَّ يحملُ تاريخَ العامِ 1933، فـ"الرسالة" استمرَّ صُدورُها في سيراكيوز، نيويورك، بحُلَّةٍ جَديدةٍ وطباعةٍ أنيقة. يُستَدَلُّ على ذلك من كتابٍ بين يَدَيَّ بعنوان "الكنوز المخزونة" "لناظمهِ لُطف الله جرجورة مَسعد الأرصونيّ، نَزيل سَلما- نورث كارولينا"؛ وقد كُتِبَ على غلافهِ أنَّه "طُبعَ في مَطبعةِ مجلَّةِ الرسالة لصاحِبها ومُحرِّرها –مُرشد جرجس مَسعود." كما إنَّه مذكورٌ أيضًا عنوانُ "الرسالةِ" في سيراكيوز. وهذا الكتابُ عبارةٌ عن مجموعةِ قصائدَ باللُّغةِ العامِّـيَّة؛ وهو يضمُّ 105 صفحات، ولا ذِكرَ فيه لسَنةِ طباعَته، ولكنْ بداخلهِ قصيدة بعنوان "الطوفان"  (صفحة 21)، مؤرَّخة في آذار، سنة 1936. فيُفهَم من ذلك أنَّ الكتابَ قد طُبعَ بعد هذا التاريخ. وفي إهداءِ الكتابِ يَقول المؤلِّف:

"أُقدِّمُ هذا الكتابَ إلى الصَّديقِ الصَّدوقِ وابنِ البلدةِ (أرصون) مُرشد جرجس مَسعود الغَيور، مَن اتَّخذَ على عاتِقهِ تنشيطَ الشِعر العامِّيِّ الوَطنيِّ في  هذهِ البلاد، وحَرَّم على نفسِه لذَّةَ الراحةِ والنَومِ في سبيلِ تَعزيزهِ والنُهوضِ به إلى أَوْجِ التقدُّم والارتفاع، والذي مِن سَهرهِ وحُسنِ دربتِه أصبحَتْ "رسالتُه" أشهر من نارٍ على عَلَم..."

وقد عَثَرتُ على كتابٍ بعنوان "نفثاتُ مَصدور"، وهو الجزءُ الثاني من مجموعةِ قَصائدَ زجليَّةٍ مُتنوِّعة، بقلم سليم عَطايا صليبا، من الشُّوَير، لبنان. والكتابُ مَطبوعٌ سنة 1939 في مطبعةِ "العرائِس" في بكفيَّا، لبنان. ويذكرُ المؤلِّف على غِلافِ الكتابِ أنَّه "يُمكنُ طلبُ الكتاب من لبنان والمهجر، أمَّا في المَهجر، فيُطلَبُ من الأُستاذ مُرشد جرجس مَسعود، صاحبِ مجلَّةِ "الرسالة" في (سيراكيوز- نيويورك) 300 شارع هاثي [هافي]." فهل يُمكنُ اعتبارُ هذا دليلاً آخرَ على أنَّ مُرشد مسعود استمرَّ في إصدارِ "رسالتهِ" إلى أوائلِ الأربعينيَّاتِ من القَرنِ العشرين؟

يحتوي المُجلَّدُ الأوَّلُ على 15 عددًا من مجلَّةِ "الرسالةِ" مُوزَّعةً بين 14 أيَّار 1932 و17كانون الأوَّل 1932. ويتراوحُ عددُ صَفحاتِ الأعدادِ المذكورةِ بين 7 صفحات و4 صفحات للعددِ الواحد. ويتضمَّنُ كلُّ عددٍ مَجموعةً من الأبوابِ التي تَظهرُ بشكلٍ مُنتظمٍ ودَوريّ. فإضافةً إلى المقالِ الافتتاحيّ، نلحظُ مثلاً تكرارَ ظهورِ الأبوابِ التالية: شَذرات، رسالةُ اليوم، بابُ الشِعر (العامِّيِّ)، رسائلُ القُرَّاء، مَيدانُ الشُّعراء القَوَّالين، أخبارٌ مُتفرِّقة، بابُ العَتابا والميجَانا، نَقدات طائر، رسائل المُدُن، أخبارُ الجاليات، وِلادات ووفيات، إضافةً إلى تغطيةٍ شبْهِ كاملةٍ لحفلاتِ الجاليةِ اللبنانيَّةِ-السُّوريَّةِ ومهرجاناتهاِ في مُختلفِ المَناطق، خاصَّةً في ولايةِ نيويورك.

وكان للرسالةِ مُراسلونَ في عدَّةِ مُدُنٍ وقُرًى وولاياتٍ يمدُّونَها بأخبارِ المُجتمعِ العَربيِّ، وأحيانًا الأمريكيّ، حيثما وُجِدوا. ويُلاحَظُ أنَّ "الرسالةَ" كانت ابنةَ بيئَتِها من حيثُ عدَمِ انحِصارِها في تغطيةِ أخبارِ الجاليةِ العَربيَّةِ فقط؛ فكثيرًا ما نقرأُ أخبارَ المُجتمعِ الأمريكيِّ آنذاك، من حيثُ أحوالُهُ المادِّيـَّةُ والاقتصاديَّةُ والاجتماعيَّةُ والسياسيَّة، لأنَّ أبناءَ الجاليةِ كانوا يَعتبرونَ أنفسَهم أمريكيِّين أيضًا، ماداموا يَعيشونَ في المُجتمعِ الأمريكيِّ ويَتأثَّرونَ مُباشرةً بالسلبيَّاتِ والإيجابيَّاتِ في أوضَاعِه الاقتصاديَّةِ والسياسيَّةِ والاجتماعيَّةِ وانعكاساتِها على أحوالِهم المَعيشيَّة. فبالرُغمِ من أنَّهم حَاولوا الإبقاءَ على عاداتِهم وتقاليدِهم ونَزعاتِهم الوطنيَّةِ التي حَملوها من بَلدِهم ألأُمّ، فإنَّهم، في أحيانٍ كثيرةٍ، حاوَلوا التوفيقَ بينها وبين تلكَ التي وَجدوها في بيئاتهِم الجديدةِ ووطنِهم الذي تبنَّوهُ عن قَناعةٍ ويَقين.

كما  إنَّ مُحرِّر "الرسالة" كثيرًا ما كان يُثيرُ مَوضوعاتٍ جَديدةً ويَطرحُ أفكارًا تَسترعي انتباهَ القُرَّاءِ واهتمامَهم. ففي أواخِر المُجلَّدِ الأوَّل، وعلى مَدى صَفحاتِ المُجلَّدين الثاني والثالث، نَلحظُ رُدودًا كثيرةً لموضوعاتٍ مَطروحة، يَبدو أنَّها كانت مَثَارَ جِدالٍ دائمٍ بين أَفرادِ الجاليةِ مِثل: "أيُّهمَا أفضلُ لنا في مَهجرِنا، المَدارسُ أمْ الكَنائس؟" أو "الجرائدُ أم الجمعيَّات؟"؛ فـ "الرسالةُ"، من هذهِ الناحية، هي تأريخٌ لتلكَ الحقبةِ في حَياةِ الجاليةِ اللبنانيَّةِ-السُّوريَّةِ في أمريكا الشماليَّة.

ويُعتَـبَرُ العددُ رقم 22، الصادرُ في 5 تشرين الثاني 1932، نُقطةَ تحوُّلٍ في مَسيرةِ "الرسالة"؛ ففيه إظهارٌ للضائقة المادِّيـَّة التي تمرُّ فيها الصحيفة. وكثيرًا ما لمَّحَ مُرشد إليها، حاثًّا المُشتركينَ على دَفعِ بَدلِ اشتراكِهم تحتَ طائلةِ المسؤوليَّةِ الشخصيَّة وتمنُّع إرسال الأعدادِ الجديدةِ للمُتأخِّرين بالدَفع؛ أو أَنذرَ باحتجابِ "الرسالةِ" عن الصدورِ وإقفالِ مكاتِبها نهائيًّا. ومن الجدير بالذكر أنَّ البلادَ بكامِلها (مثلما نَقرأُ في "سبعون" نُعيمة، ص 574)، كانت آنذاك تَمرُّ في ضَائقةٍ ماليَّةٍ واقتصاديَّةٍ حَرِجة، والبطالة مُتفشِّيةٌ بين أبناءِ الجالية. فبدلاً من وَقفِ إصدار "الرسالة"، وإن يكُنْ  إلى حين، مثلمَا فَعلَتْ كُبَرياتُ الصُّحفِ العَربيَّةِ في ذلك الوقت، كـ "السائحِ" مثلاً، إذْ طلبَ عبد المسيح من نُعيمة أن يكونَ شريكًا مَعه ("سبعون" ص 493)، حوَّلَها مُرشِد إلى شركةٍ مُساهمةٍ مؤلَّفةٍ "...من رجالِ حَزمٍ ووطنيَّةٍ وإخلاص...وقد رَأتِ الشَّركةُ أن تُصدرَ "الرسالةَ" مرَّةً في الأسبوعِ بأربعِ صفحاتٍ فقط، (بدلاً من مرَّةٍ في كلِّ فترةٍ وإنْ بعددٍ أكبرٍ من الصَّفحات) نَظرًا للظروفِ الحاضِرة، إلى أن تَنفرجَ الأزمةُ الخانقةُ وتعودَ الحالةُ الاقتصاديَّةُ إلى الانتظام." وبَدءًا من ذلك التاريخ، أُضيفَ اسمُ وديع رزق الله مديرًا مسؤولاً، وبقيَ اسمُ مُرشِد مَسعود تحتَ لقبِ "مُنشئها ومُحرِّرها". وبقيَ الاشتراكُ السنويُّ ريالَين ونصفَ ريالٍ في جميعِ الجهَات، وعنوانُ "الرسالةِ" بَقيَ كذلك مِثلمَا كان. ومنَ اللافتِ للنظر، أنَّ المقالَ الافتِتاحيَّ المَحصورَ بهذا الخَبر "تأسيسُ الشَّركةِ المُساهِمة" قد كتبَهُ هذه المرَّة، الأُولى والأخيرة، مُديرُ "الرسالةِ" المسؤولُ الموقِّعُ عن الشَّركةِ المُساهمة، السيِّد وديع رزق الله، وفيهِ أصَرَّ على أن تكونَ جميعُ المُراسلاتِ والمَقالاتِ والأخبارِ المُرسَلةِ إلى مكتبِ الصَّحيفةِ، من ذلك الحين وصاعدًا، مُوقَّعةً بإمضاءِ أصحابِها، وعلى أنَّ "كلَّ كِتابةٍ تُرسَلُ للنشرِ وتكونُ غُفْلاً من التوقيعِ يُرفَضُ نَشرُها." وهذا إشارةٌ إلى مَنشوراتٍ سابقةٍ غيرِ مُذيَّلةٍ بتوقيعِ أصحابِها، كانت قد أثارتْ تأويلاتٍ وحَسَّاسيَّاتٍ في السابق، نَرَاها في أعدادٍ كثيرةٍ من الرسالة. وتجدرُ الإشارةُ هنا إلى الكلمةِ المُختصَرةِ التي ذيَّلَ بها مُرشِد الصَّفحةَ الأولى من العَددِ المُشارِ إليه، قائلاً: "خبِّروهم أنَّ  "الرسالةَ" شركةٌ لا طائفيَّة ولا مَذهبيَّة، وأنَّ مُديرَها المَسؤول مارونيٌّ، ومُحرِّرها أُرثوذكسيٌّ، غيرَ أنَّ مَذهَبَ الرسالةِ وشعارَها هو النَزاهةُ والإخلاصُ وخِدمةُ الطوائفِ على السَّواء، فلا يجرِّبوا أن يَلعبوا بالنَّار."

 

عرضٌ سريعٌ لمحتَوياتِ الأعدادِ لعامَيْ 1932 و1933

فيما يلي عرضٌ مُلخَّصٌ لأهمِّ مُحتوياتِ المُجلَّداتِ الثلاثةِ التي بين يَدَيَّ:

نُذكِّرُ أنَّ ما أسميناهُ "المُجلَّد الأوَّل" هو في الحقيقةِ حَلقةٌ في سلسلةِ مُجلًَّداتِ "الرسالةِ" التي كانت، حينَ صُدورهِ في 14 أيَّار سنة 1932، في سنتِها السَّادِسة. وفي  المقالِ الافتتاحيّ يَبدو مُرشد مُتأفِّفًا تَعِبًا، يَشتَكي من الضائقةِ الماليَّةِ التي تُعاني منها الصَّحيفةُ في عامِها السادس، ويَصفُها بكلامٍ يُذكِّرُنا بقولِ نُعيمة عن "السائح" عام 1919 ("سبعون"، ص 418). ففي سنواتها الخمس الأُولى، يقولُ المُحرِّر، كانت هذه الصَّحيفةُ "عَرجاءَ تتوكَّأُ على عُكَّازِ صاحبِها الرَكيكة... فكانت كالمَشلولِ أو كمَنْ هو في طَورِ النِزاع، تَصدُرُ مَرَّةً في كلِّ فترةٍ بكلماتٍ مُتقطِّعةٍ كَمَن يَهذي، وبأحرفٍ مَمحيَّةٍ كصحيفةٍ أكلَ الدهرُ عليها وشَرِب." ويُسرعُ إلى تأكيدِ أنَّ الذنبَ في ذلكَ ليسَ تقصيرًا منه، بل لأنَّ الصَّحيفةَ "خُلِقَتْ فقيرةً وحَقيرةً حتَّى في عينِ صاحِبها." لكنَّه ثابَر وكافحَ واستمرَّ في إصدارِها، لأنَّه صَحفيٌّ عِصاميٌّ مُلتزمٌ أصالةَ الكلمة، مَدفوعٌ وراءَ "اللذَّةِ في  الكتابةِ وتصفُّحِ الأوراقِ ومَحبَّةِ الأدبِ والأُدباءِ والرَّغبةِ في المَبادئِ التي أنشَأنا "الرسالةَ" لأَجلِها." ولولا ذلك، "لكُنَّا ضَربْنا بها عُرضَ الحائط، وتَخلَّصنا من الأتعابِ والخسائرِ والمَرارةِ والآلامِ التي نَلقَاها في سبيلِ إصدارِها." ويُخبرُنا مُرشِد بأنَّه راحَ يُغالبُ الزمانَ ويَجهدُ في تحسينِ صَحيفتِه وتَرقيتِها "ولو بدون فائدة،" حتَّى إنَّه تمكَّن، بعد عَناءٍ طَويلٍ، "من اختراعِ مطبعةٍ يَدويَّةٍ نقدرُ بواسطتِها على إصدارِ أُلوفٍ من الأعدادِ والنُّسَخ بخطٍّ أوضح، ولكنْ بخسارةٍ أكثر وتكاليف أوفر." وهنا، يُسرعُ إلى تحيَّةِ المُناصرينَ والأصدقاءِ والقُرَّاء، آمِلاً أن يكونَ التَّحسينُ الذي طَرأَ على نوعيَّةِ الطِّباعةِ اليدويَّةِ عندَ حُسْنِ ظَنِّهم، طالبًا إليهم استمرارَ الدَّعمِ والغَيرَة، لأنَّ "الرسالة"، وإن تكنْ في عامِها السَادس، "لا تزالُ في مَدرسةِ الأدبِ طِفلة، وفي الصُّدورِ مَرَّةً في كلِّ فَترة." ويؤكِّدُ أنَّ مَهمَّة "الرسالة" هي أن تكونَ "صِلةَ وَصْلٍ" بين أبناءِ الجاليةِ اللبنانيَّةِ-السُّوريَّةِ، وأن تُغطِّيَ أخبارَهم، خاصَّةً، وأخبارَ المُجتمعِ الأمريكيِّ عامَّةً، في نواحيهِ الاجتماعيَّةِ والسياسيَّةِ والاقتصاديَّة.

ومعظمُ مُحتوياتِ المُجلَّدِ الأوَّلِ تندرجُ تحتَ المَوضوعاتِ التالية:

أخبارُ المُجتمع، الاتَّحادُ الوطنيّ، بَدل الاشتراكِ بالصَّحيفة، انتقادُ أزياءِ بعضِ الأُدباءِ المُتنوِّرين، أخبارٌ مُتفرِّقة، بابُ الشِّعر، أخبارٌ عن جَرائدَ مُعاصِرة "للرسالة"، فيلسوف الفرَيكة.

وإنْ كنتُ فصَّلتُ الكلامَ على بعضِ هذه العَناوين، فحِفظًا للأمانةِ العِلميَّة، ولترجيحي عَدمَ وجُود المجلَّة في أيِّ مكانٍ آخَر، لأنَّ المَخطوطةَ التي تهيَّأتْ لي عَادتِ الآن إلى بيتِ أصحابِها وهي، مثلما تسلَّمتُها وأعدتُها، في حالةٍ هشَّةٍ وهزيلة.

 

"الرس